الرئيسية , اخبار و نشاطات , اخبار محلية , القيطع: الكلمة للعائلات.. والفعل للفقر والحرمان

القيطع: الكلمة للعائلات.. والفعل للفقر والحرمان

إنّها السّاعة الثامنة والنصف صباحاً، ما زال النائب خالد ضاهر في سريره. الرّجل غير مكترث لما يدور حوله من زحمةٍ خانقة حول مركز اقتراع ببنين العكاريّة. تجلس والدته في غرفةٍ بالكاد تتّسع لخمسة أشخاص. أثاث المنزل يوحي بفقره وقدمه. تلتقط «الحجّة» حبّة الدّواء وتتمسّك بالزائرين بأن «يحوّلوا».
تنتظر المرأة المسنّة زوجها الذي يخرج متأنقاً، وتعرف أنّ ابنها خالد الذي «بشّر به النبي قبل مولده»، لن يستفيق الآن.
السّكون الذي يحيط بالمنزل المتواضع، لا يعني إلّا أنّ ضاهر فعلاً نفّذ ما وعد به بعدم تدخّله في الانتخابات البلديّة بعدما سقطت مساعيه التوافقيّة في بلدته ببنين.
يعرف أبناء بلدة ببنين العكارية والذين يتعدّون الـ16500، أنّ أصابع السياسيين تتغلغل بـ «القفازات» داخل اللوائح الثلاث المتنافسة، ولو أنّ التيّار الأكثر حضوراً (المستقبل) ينأى بنفسه عن المعركة.
يحسب «المستقبل» خطواته بدقّة. أي دعمٍ ظاهر يعني إحراج نفسه في معركة عائليّة بين العائلات الكبرى في البلدة: الرفاعي وكسار والمصري، بالإضافة إلى أنّ المحسوبين عليه موزّعين على اللوائح الثلاث المتنافسة.
وبرغم ذلك، يشعر بعض أبناء البلدة أنّ العوامل المحليّة لـ «المستقبل» قد تنجح في تقديم دعمٍ من تحت الطّاولة إلى «لائحة ببنين تستحقّ» التي اتّفق أن تكون رئاسة المجلس البلديّ مداورةً بين المقربّ من المفتي السابق الشيخ أسامة الرّفاعي، محمّد خير الدين الرفاعي وبين شقيق مسؤول «المستقبل» في المنطقة حسين المصري المرشّح مأمون المصري، على حساب اللائحة المدعومة من قسم كبير من عائلة الرفاعي، وثالثة برئاسة رئيس البلديّة الحالي كفاح الكسار المحسوب على «الجماعة الإسلاميّة».
هنا تفعل السياسة فعلها، ولكنّ تبقى للعائليّة الأولويّة. لا تنفي الماكينات الانتخابيّة العاملة على الأرض أنّ عمليّات التشطيب في أوجّها، متخوّفين من قرار بأن تعطي بعض العائلات «الكلمة ـ السرّ» بالتصويت للمرشحين منها من دون الالتزام بالـ «زيّ ما هيّ». ولذلك، يؤكّد كثيرون أنّ الخرق حاصل لا محالة.
ما يعزّز حصول هذا الأمر هو العتب الظّاهر من غالبيّة أبناء البلدة على الأحزاب والعاملين في السياسة.
لا يحتاج زائر ببنين للسؤال عن أحوال البلدة. البيوت المبنيّة بالحجر والباطون، والزواريب الضيّقة غير المزفّتة، والأيادي الخشنة، والأراضي الزراعيّة التي تعود للإقطاع.. كلّها تدلّ على الفقر المدقع الذي تعيش به ببنين المحرومة. ولولا البحر القريب الذي تتكئ الكثير من العائلات على صيد أسماكه، لكانت المعاناة أكبر.
لا يستثني الأهالي أحداً من غضبهم لأحوالهم التي زادتها الأزمة السوريّة سوءاً. يعترف هؤلاء أنّ تهريب المخدّرات عبر البرّ والبحر كان مصدر رزق للعديد من العائلات التي كانت تحمّل المال بـ «شوالات البصل»، ولكن تشديد الإجراءات على الحدود السوريّة والمرافئ البحريّة أقفل كلّ أبواب التهريب. وما زاد الطّين بلّة منافسة اليد العاملة السوريّة للقمة عيشهم.

العبدة
وإذا كانت معالم العبدة تختلف عن شقيقتها ببنين، إلا أنّ البلدتين متداخلتان وشريكتان في مجلسٍ بلديٍ واحد، لببنين فيه 19 عضواً و2 للعبدة التي لا يتعدّى ناخبوها الألف بينهم حوالي الـ300 ناخب من الرّوم الأرثوذكس.
قصّة البلدتين الشقيقتين كقصّة عيسى أحمد طنّوس بركات، الذي ولد مسلماً لجدٍ مسيحي قرّر منذ أكثر من 50 عاماً أن يتخلّى عن ديانته المسيحيّة (روم أرثوذكس) مقابل العيش في ببنين للحفاظ على الأراضي الشاسعة التي يملكها، فيما اختار أشقاء طنوس وبعض أبنائه التوجّه إلى العبدة والعيش سوياً. هكذا، صار لعيسى عائلة كاملة في ببنين وعمّان وعمّة مسيحيين يسكنون في العبدة.
يفرح عيسى بهذا الاختلاط، ولا يجد فيه إشكاليّة، تماماً كحال مسيحيي العبدة الذين رضوا بعدم نيلهم عضواً في المجلس البلديّ والإبقاء على مقعد اختياريّ مخصّص لهم. الكثير منهم رحل عن البلدة، أمّا الغالبيّة الباقية فاختارت الوظائف الرسميّة على العمل في الزراعة شأن العديد من أبناء بلدة ببنين.
أحوال بلدات ساحل القيطع وجروده واحدة. تبدو المناطق جميلة بخَضارها الذي يمتدّ «على مدّ عينك والنّظر»، ولكنّ الدّخول إلى قلب كل بلدة أو إلى أي منزل في برقايل أو احرار أو مشمش وفنيدق.. يعكس غياب الإنماء والفقر لأحد «الإمدادات البشريّة» لـ «المستقبل»، بالإضافة إلى افتقاد المشاركة النسائيّة في الكثير من البلدات، فيما تشكّل النساء الأكثريّة الناخبة وجزءاً من الطبقة العاملة.
تجلس إحدى نساء احرار على كرسيّ بجانب رفيقتها بالقرب من مركز الاقتراع. تبلع المرأة بريقها لأنّها لم تترك قرشاً واحداً كي يبتاع أولادها فطورهم الصباحي. تتنفّس الأخرى الصعداء بأنّها تركت خمسة آلاف ليرة ثمناً لـ «الترويقة» والغداء!
يختلف المشهد عند الاقتراب من بلدة عيون الغزلان، حيث ينظر النّاخبون لدى دخولهم إلى مسجد البلدة الذي تحوّل إلى مركز اقتراع، إلى القصر المشيّد منذ سنوات طويلة لأحد وجهاء آل المرعبي. على المقلب الآخر، يجلس طلال المرعبي في قصره وحيداً. صحيح أنّ صالون الضيوف يتّسع لكلّ مقترعي البلدة الذين لا يتعدّون الـ260، إلا أنّ «البيك» فضّل أن يبتعد عن المعركة لتكون عائليّة بامتياز.
كلّما كان الاتجاه صعوداً، كلّما كان الحرمان أوضح. ومع ذلك، يظهر بأنّ لأبناء القيطع أملاً بالتغيير والمشاريع الإنمائيّة الموعودة، إذ تخطّت نسب الاقتراع في بعض البلدات الـ70% كبلدة احرار الجرديّة، وارتفعت بنسب عالية في مشمش التي شهدت اصطفافات عائليّة حادّة، فيما وصلت النسبة إلى الـ45% في جارتها الفنيدق، مع أنّ بلديتها فازت بالتزكية وانحصرت المعركة بالمقاعد الاختياريّة، حيث تنافس 33 مختاراً على 10 مقاعد، ليكون التشطيب هو سيّد الموقف.
ما يوحّد تلك البلدات أيضاً هو غياب المعارك السياسيّة. لا ينكر أحد أبناء برقايل أنّه عوني «لأنني أحب ميشال عون»، ومع ذلك يشير إلى أنّه لا يتّفق مع مسؤوله الحزبي في دعمه للائحة على حساب لائحة أخرى، فالمعركة بين اللوائح الثلاث تنحصر بين العائلات وحتى الأجباب.
وإذا كان الأمنيون استنفروا طاقاتهم وعناصرهم تخوّفاً من حصول إشكالات أمنيّة حادة في ببنين، إلا أنّ الغداء الذي جمع رؤساء اللوائح المتنافسة نفّس الاحتقان، تماماً كما حصل في البلدة المسيحيّة الوحيدة في اتحاد بلديات القيطع القريات، التي وصل إلى مركز اقتراعها رئيس البلديّة السّابق ورئيس اللائحة الأقوى في البلدة انطانيوس جرجس صباحاً. سريعاً، بادر «الريّس» إلى السّلام والكلام مع منافسه، ووضع مصلحة القريات فوق كلّ شيء، ليهدأ الوضع.
ولكنّ انتقلت الاشكالات الأمنيّة الحادة إلى برج العرب في وسط القيطع، فلم يسلم الناخبون من الضرب والتكسير وحتى إطلاق الرّصاص فوق رؤوسهم. في حين كانت الإشكالات فرديّة وأقلّ حدّة في بعض المناطق الجرديّة كالقرنة، بيت ايوب، قبعيت، حيث عزّز الجيش قواته حول مركز الاقتراع.

لينا فخر الدين (السفير)

القيطع لكلمة للعائلات.. والفعل للفقر والحرمان

 

شارك هذا الموضوع:

شاهد أيضاً

الميناء: حي التنك يستعد لمواجهة الدولة!

مرة جديدة تدخل الدولة على قضية″حي التنك″ في الميناء، من باب قانوني وبطريقة مجتزأة، تفتقر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *