حين أعلنت فصائل من «الجيش الحر» سيطرتها على الرقة في آذار العام 2013، جاءت ردود الفعل السورية مختلفة عن أحداث سابقة، واختار مصدر مقرب من القيادات الميدانية للجيش السوري أن يقول بخيبة، وإن بملامح صارمة، إن «على أهل الرقة أن يتولوا عملية استعادتها إلى كنف الدولة».
كان الوضع الميداني لا يسمح بتشتيت أكبر للجيش، وكانت العقلية قد بدأت في التغيّر لدى القيادتين العسكرية والسياسية في دمشق، اتجاه معارك المدن، التي تزيد عمليات استرجاعها صعوبة أكثر بكثير من القدرة في الحفاظ عليها.
وأيد المتحالفون في «حزب الله» وطهران هذا الرأي حينها، بل ساهموا في تعزيزه، على جبهات مدن أخرى، بينها حلب، ولاحقاً إدلب.
وقالت مصادر سورية حينها، لـ «السفير»، إن «الجيش السوري لن ينجر إلى معركة الرقة»، وذلك بعد الاستنتاج العسكري بصعوبة استعادة مراكز مدنية مأهولة، ولا سيما بعد التغير الديموغرافي الكبير الذي حصل في المدن والبلدات بفعل الحرب، وهو تحول ساهم في خروج الرقة عن سيطرة الجيش والدولة في العام 2013، أو بالأحرى انزلاقها لتصبح تحت نفوذ أعدائه منذ حينه.
وسقطت الرقة حينها بسبب «الأعداد الكبيرة من نازحي ريف إدلب وريف حلب»، وفق ما أشارت إليه مصادر ميدانية حينها، ووفقاً لما كتبه لاحقاً مدير المركز العربي للأبحاث والدراسات في الدوحة عزمي بشارة، مستنداً الى مصادره في المعارضة المدعومة من قطر بأن «العامل الأهم في سقوط المدينة السريع والمفاجئ (بعد ثلاثة أيام فقط من القتال) تمثّل في حصول تعاون وتنسيق وتخطيط غير معهود بين مسلحين من داخل المدينة والكتائب الثائرة خارجها، فالرقة التي شكّلت ملاذًا آمناً لمئات الآلاف من السوريين، باعتبارها منطقة خارج دائرة القتال، تحوّلت إلى أكثر المدن قابلية للسقوط بيد الثوار للسبب نفسه. فنتيجة لحصول بعض الشباب النازح داخل المدينة وكذلك القادمون إليها، وبخاصة من ريفي دير الزور وحلب، على السلاح، شكّلوا قوة قتالية لا يستهان بها. وقد شارك هؤلاء بفاعلية في الاستيلاء، بسرعة، على المقارّ والمراكز الأمنية والحكومية فور إعلامهم بساعة انطلاق الهجوم الذي تعتزم شنّه الكتائب الثائرة للسيطرة على المدينة».
وتذكر هذين العاملين ضروري مع بدء الزحف نحو المدينة الوادعة سابقا، ولا سيما أن موقف أهل المدينة ظل في موقع الجدل، علماً أن تظاهرات على طرفي نقيض خرجت في المدينة المنسية خلال أعوام الأزمة الأولى، وصولاً لانتقال السيطرة بعد أسابيع قليلة من «الجيش الحر» إلى «جبهة النصرة» عبر التسليم من دون قتال، وبشكل مشابه لتنظيم «داعش» بذات التسليم الوادع، منذ صيف العام 2014 وحتى الآن.
وبعدها خرجت المدينة عن قائمة الأهداف العليا للمتحاربين، وباتت نموذجاً «يخدم بسلبيته المهلكة مصالح الجميع» تقريباً. فهي البديل من وجهة نظر حكومية عن «التغيير السلمي» الذي ثبت بالفعل لا القول، عجز المعارضة، من دون البعد الإسلامي المتطرف، عن إدارته والسيطرة طويلاً على مناطق مدنية. وشكلت الرقة «علامة جذب للتطرف الإسلامي» المفيد في خدمة أهداف السياسة التركية وحلفائها، بحيث لا تسمح للأكراد «سابقا» بالتمدد شمالاً، رغم تحالفهم مع الحكومة السورية، كما شكلت امتداداً شرساً ورهيباً لتشكيلات مثل «جبهة النصرة» و «أحرار الشام» وغيرها من فصائل التطرف القريبة من تركيا وقطر والسعودية.
وبما أنها «عاصمة الخلافة» بالنسبة الى تنظيم «داعش»، فقد منحت الرقة المبرر لاحقا لإنشاء تحالف يوفر المزيد من الحركة والتجريب لسوق الأسلحة الضخمة بالنسبة للغرب، وصولاً إلى قرب التحول إلى «درة تاج المنتصر في الحرب على الإرهاب».
وبالطبع لا يزال النصر بعيداً، باعتراف رسمي أميركي، ودفع بموعد «التحرير» المأمول إلى ما بعد ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما، وباعتراف مصادر سورية لـ «السفير» أيضاً، فإن هناك صعوبة لتحقيق «التحرير» قريباً.
وحتى ذلك الحين، تبقى نظرية «داعش» في التوسع هي الأكثر نجاحاً بين النظريات الأخرى، إذ سمحت للتنظيم المتشدد بالامتداد خارج حدود سوريا نحو العراق، وملامسة حدود تركيا والأردن مباشرة. وهي لا زالت نقطة ارتكاز التنظيم وأول انتصاراته على مستوى المدن، وهي من ناحية أخرى الآن «الاختبار» لعزم القوى المعادية لـ «داعش» في التفوق عسكرياً ضده، كما أنها بالنسبة إلى «قوات سوريا الديموقراطية» قفزة إضافية في استعراض القوة، المدعومة غربياً، لفرض نفسها على الحلبة السياسية أيضاً.
من جهتها، لا تستطيع القوات السورية والحكومة مع الحلفاء البقاء خارج نصر كهذا، الأمر الذي يفسر الاندفاعة القوية والمفاجئة باتجاه الرقة، ابتداء من محاولة استعادة مطار الطبقة أولاً، الذي شهد مجزرة رهيبة بحق قوات الجيش منذ عامين (آب العام 2014)، ويشكل إضافة لأهميته الإستراتيجية رمزية معنوية عالية.
ووفقا لما قاله مصدر سوري لـ «السفير»، فإن معركة مدينة الطبقة كمركز مأهول لا تقل أهمية عن معركة مدينة الرقة، باعتبارها «مقدمة» لمعركة تحرير المدينة، وإن كان المتفق عليه أن قصة الرقة أكثر تعقيداً، حتى بالمقارنة مع معركة تدمر، التي استعادها الجيش مدعوماً من سلاح الجو الروسي.
أما سياسياً، فيرغب الجيش السوري بأن يكون أول المقتحمين لـ «حصن داعش» في الشمال، لاعتبارات ليست مرتبطة بـ «استعادة السيادة» فقط، بل بحسابات إقليمية ودولية، لا تسمح للروس والإيرانيين البقاء بموقع المتأخرين.
وزاد من الضغط باتجاه الرقة، والإيمان بقرب موعد «الهجوم على المدينة» اندفاع الدول الغربية نحو إرسال «مستشارين عسكريين»، وآخرهم ألمانيا التي نفت هذا الامر، إلى جانب الدانمارك وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها من الدول، التي تمتلك جميعها مؤشرات «على إمكانية النصر» وضرورة المساهمة فيه، وهو تطور متدرج يذكّر البعض بتقاسم مدينة برلين في الحرب العالمية الثانية، التي تشارك الحلفاء في الغرب والشرق السيطرة عليها، بعد تمكن القوات السوفياتية حينها من محاصرة مقر اختباء الزعيم النازي أدولف هتلر، وإعلان نهاية الحرب. يومها خرج أهالي برلين من مخابئهم، ومن زوايا بيوتهم المدمرة، جائعين، بائسين بوجوه كالحة مغبرة، على واقع جديد، شكل بصمة الحرب الأخيرة التي لم تتغير إلا بعد مرور نصف قرن من الزمن.