الرئيسية , اهم الاخبار , ما الذي يُغضب جيل ما بعد «ثورة 25 يناير»؟

ما الذي يُغضب جيل ما بعد «ثورة 25 يناير»؟

لم يكن لرفض عدد من رؤساء الاتحادات الطلابية لدعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى إفطار «الأسرة المصرية» تأثير يذكر على الحفل الذي نظمته رئاسة الجمهورية يوم السبت الماضي.
انعقد حفل الإفطار بحضور رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وعدد من الوزراء والنواب وممثلي المحافظات المختلفة، وممثلي المرأة والعمال والفلاحين، وآخرين عن الطلاب وقبائل سيناء والنوبة ومطروح والقوات المسلحة والشرطة وأسر الشهداء… الخ.
تحدث السيسي في حفل الإفطار، كعادته، عن الإنجازات التي تحققت خلال العامين الماضيين، وتطرّق إلى المشاريع والإنجازات الجديدة المزمع المضي فيها، موجهاً رسالة للمصريين لطمأنتهم بشأن مستقبل البلاد.
الواضح أن ممثلي الاتحادات الطلابية الذين رفضوا تلبية دعوة رئيس الجمهورية الى حفل الإفطار، لم يتركوا فراغاً يذكر، ولم تشعر «الأسرة المصرية» وكبيرها، رئيس الجمهورية بغيابهم، وجرى كل شيء كما كان مقررا من دون اكتراث بهم، ومن دون حتى مناقشة أسباب رفضهم.
بدوره، بدا الإعلام غير مكترث بهذه المقاطعة، التي لم تُفرد لها المساحات المتوقعة في الصحف والبرامج التلفزيونية، حتى أن إحدى الجرائد غيرت عنوانها في الطبعة الثانية بعدما تناولت في الطبعة الأولى رفض رئيس اتحاد طلاب جامعة حلوان دعوة الرئيس.
برغم ذلك فإن رفض رؤساء اتحادات طلابية منتخبين من القواعد لدعوة رئيس الجمهورية إلى حفل إفطار تثير العديد من الأسئلة، خاصة أنها تأتي ضمن السياق الذي جاءت فيه الدعوة، أي في العام الذي أطلق عليه السيسي تسمية «عام الشباب».
الرافضون للدعوة الرئاسية ليسوا مجرد شباب، ولكنهم ممثلون عن أهم قطاع شبابي، وهو قطاع طلاب الجامعات. وبالرغم من أن الرفض لم يكن شاملا – اقتصر فقط على رؤساء اتحادات طلاب جامعات حلوان وأسيوط وحلوان – إلا أنه، وحتى ضمن تلك الحدود، يمثل موقفاً يجب التوقف عنده وفهم مغزاه، خاصة أنه لم يأت جماعياً، أو عبر تنسيق، وحتى لم يكن لأسباب موحدة.
رؤساء الاتحادات الثلاثة أعلنوا بشكل منفرد الرفض، كل عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، وقد اوضحوا أسباب هذا الموقف، التي لم تتطابق لدى الثلاثة.
التعامل الرسمي مع رفض الدعوة الرئاسية من قبل بعض ممثلي الطلاب تراوح بين التجاهل، وبين نفي توجيه الدعوة أصلا الى رئيس اتحاد طلاب جامعة حلوان، فيما ذهب التعامل غير الرسمي باتهام الرافضين الى دعوة الإفطار بالانتماء الى جماعات سياسية معارضة، وأن موقفهم لا يعبر عن الطلبة، وانما عن الجماعات السياسية التي ينتمون إليها، بالرغم من أنهم في كل الأحوال منتخبون من الطلبة.
وبصرف النظر عن الاتهامات غير الرسمية، فإن رفض رؤسات الاتحادات المشاركة في حفل الإفطار الرئاسي سبقته الكثير من الأحداث التي تفسره وتجعله موقفاً طبيعياً ومبررا جدا. فقبل رفض الدعوة بأسابيع، وتحديدا في الخامس والعشرين من نيسان، كانت قوات الأمن المصرية تعتقل المئات من الشباب وتحيلهم الى محاكمات سريعة، لأنهم شاركوا في احتجاجات سلمية ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير. وكانت المحاكم تصدر أحكاما قاسية على هؤلاء الشباب تتراوح بين السجن لعامين وخمسة أعوام مع غرامات مالية ضخمة، مع الإشارة إلى انه جرى تخفيف بعض الأحكام وإلغاء بعضها الآخر لاحقاً.
لكن ملاحقة الشباب بسبب أرائهم ومواقفهم لم تقتصر على احتجاجات الجزيرتين، فقد شهد «عام الشباب» حصارا لحرية الرأي والتعبير ومنعا لمظاهر الاحتجاج وعقوبات قاسية ضد المعارضين بشكل عام. أما على صعيد الجامعات، فقد كان الأمر أكثر وضوحا، فقد فرضت داخل الجامعات حالة من الحصار الأمني، ولعب الأمن الإداري داخل الجامعات دورا رئيسيا في تسليم الطلاب للشرطة المصرية عند القيام بأي نشاط احتجاجي. والأهم أن اتحاد طلاب مصر المنتخب تم تجميده وألغيت نتائج الانتخابات بمزاعم مخالفات إجرائية، بينما كان الواضح أن من فازوا في الانتخابات لم يكونوا من الموالين للنظام بالكامل.
رفض عدد من رؤساء الاتحادات الطلابية لدعوة الرئيس كان طبيعيا في سياق كهذا، كما أعلنوا هم أنفسهم على صفحاتهم، ليس فقط بسبب الاعتقالات التي طالت الشباب والتنازل عن الجزيرتين المصريتين، ولكن أيضاً سبب طريقة الدعوة عبر الهاتف دون توضيح آلية الاختيار والتمثيل ولا برنامج اللقاء، وهو ما وصف بأنه «استدعاء» وليس دعوة.
ولكن ما لا يبدو طبيعيا هو استمرار تلك القدرة على المقاومة والرفض بعد كل الإجراءات التي اتخذتها الدولة لمحو آثار «ثورة 25 يناير»، فعقب صدور قانون التظاهر في أيلول العام 2013، كانت الدولة تسعى جادة لوقف كل مظاهر الاحتجاج، ولم تدخر جهداً في تطبيق قانون التظاهر بكل صرامة وإصدار أحكام مشددة على المتظاهرين، لا بل إن إجراءات منع التظاهرات والاحتجاجات تجاوزت قانون التظاهر نفسه، بعدما قامت قوات الأمن بإطلاق الرصاص والخرطوش على متظاهرين سلميين بالمخالفة للقانون، واعتقلت أعدادا كبيرة.
واللافت أكثر للانتباه هو استمرار تلك الجرأة على اتخاذ موقف احتجاجي أمام رئيس الجمهورية نفسه في الجامعات. لقد تمكنت الدولة المصرية من إحكام السيطرة داخل الجامعات سواء عن طريق الأمن الإداري أو شركات الأمن الخاصة أو الداخلية، حتى بدا أنها نجحت جزئياً في محاصرة الحركة الطلابية، التي كانت دائما طليعة للحركة السياسية والشعبية في مصر.
ومع ذلك، لا يزال في الجامعات من يرفضون لقاء الرئيس احتجاجا على الأوضاع القائمة مثلما قال رئيس جامعة حلوان: «لن أفطر إلا مع من يقول تيران وصنافير مصرية»، وكذلك «الأسر المصرية تفطر أمام الأقسام والنيابات والمحاكم سعيا وراء أبنائهم المعتقلين» كما كتب في رسالته الى رئيس الجمهورية عبر صفحته الشخصية على موقع «فايسبوك».
لأكثر إدهاشا أن ياتي ذلك ليس من أفراد ولكن من ممثلين منتخبين للطلاب، أي يفترض فيهم التعبير عن الاتجاه العام وسط الطلبة.
ولا بد من التذكير بأن طلاب الجامعات اليوم، في أغلبهم، لم يكونوا ضمن تلك الحشود التي اعتصمت في ميدان التحرير قبل ست سنوات، فمعظمهم كان لا يزال في سن مبكرة. ولكن يبدو أن تأثير الثورة كان أعمق في المجتمع، وهو لم يقف عند حدود من شاركوا فيها فحسب، فالأجيال التالية على الثورة تفتحت أعينها على قصص الثورة وأحداثها، وتعرفت على أسماء شهداء الثورة ورموزها قبل التعرف على أسماء الحكام. لذا فإن ما يقوم به النظام المصري منذ ثلاث سنوات من ملاحقة لكل ما يمت لـ «ثورة 25 يناير» بصلة يبدو أن جدواه محدودة. فبذور الثورة ألقيت بالفعل في الأرض المصرية، وتطرح كل يوم جيلا جديدا يفاجئ من تصور أنه محى آثارها.

344566778899

شارك هذا الموضوع:

شاهد أيضاً

الميناء: حي التنك يستعد لمواجهة الدولة!

مرة جديدة تدخل الدولة على قضية″حي التنك″ في الميناء، من باب قانوني وبطريقة مجتزأة، تفتقر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *