رغم أنه كان يقصد حال تركيا اليوم، تحت تجبُّر رئيسها رجب طيب أردوغان، لكن وصف «الأيام الأكثر حلكةً» للزعيم الكردي صلاح الدين ديميرطاش كان موجّهاً ليَعبُر الحدود، سالكاً تشعّب القضية الكردية في المنطقة. حينما قام بإسقاطه على الحرب السورية، بما يعني ضمناً طيف الدول المعنية بتبعاتها، جعل من الواضح أن تسوياتها إلى مزيد من التعقيد. فوق الصراع المحلي والاقليمي والدولي، يضيف ديميرطاش الصراع الكردي – التركي، مردداً ما لا يقوله آخرون: لا حل في سوريا قبل الحل في تركيا.
إنها أيام كالحةٌ تحديداً عليه وعلى حزبه، «حزب الشعوب الديموقراطي»، بعد هبوطٍ سريعٍ من لحظة تاريخية مَثّلها دخولهم البرلمان التركي. مسار الهبوط انطلق مع انهيار عملية السلام وعودة القتال بين أنقرة و «حزب العمال الكردستاني»، قبل الانتقال لعملية «تصفية سياسية» مرتقبة للحزب السياسي المتهم بالارتباط بالمقاتلين الأكراد.
كان ديميرطاش يتحدث من موقع «السجين اللاحق» خلال زيارته إلى بروكسل، موضحاً لمن التقاهم انه عائد لدخول الزنزانة السياسية. أردوغان استطاع تمرير رفع الحصانة عن النواب، الأمر الذي يمهّد لمحاكمة نواب الحزب الكردي بتهم «دعم الارهاب» المسيّسة. بدا السياسي الشاب (مواليد 1973) مصمماً على مقاومة عملية يراها «غير دستورية»، ليشرح سيناريو دراما سياسية يُعّدها الرئيس التركي ليحول بلاده إلى «نظام الرجل الواحد».
لكن قبل الدخول في ذلك، كان لافتاً ربط السياسي التركي مصير الحل في سوريا بمسيرة حل الصراع التاريخي في تركيا. الجسر بين السلامين، على شدّة تباين لاعبيهما وشروطهما، هو الوجود الكردي المتصل في سوريا وتركيا. مفضّلاً عدم المواربة، خلال استعراض له أمام النواب الأوروبيين، وجه ديميرطاش رسالة حادة، مكرراً أن «السلام في سوريا ممكن فقط إذا كان هناك سلام في تركيا، لأنه بهذه الحالة سيمهد الطريق لها».
تلك الخلاصة تخفي خلفها الكثير من الحسابات المثيرة للجدل. حينما يقول ديميرطاش ذلك، فهو عملياً يعتبر نفسه مفوّهاً للحديث باسم ثلاثة أطراف: حزبه السياسي، حزب العمال الكردستاني في تركيا، حزب «الاتحاد الديموقراطي» الكردي في سوريا. يحدث ذلك رغم أن هذه الأطراف يسود العلاقة العلنية بينها مبدأ النأي بالنفس.
«الاتحاد الديموقراطي» السوري، اللاعب الأهم في الشمال السوري بدعمٍ من واشنطن، ينفي دائماً الاتهامات بأنه امتداد لـ «الكردستاني» المصنف تركياً وأوروبياً وأميركياً «منظمة إرهابية». بدوره، حزب ديميرطاش ينأى بنفسه عن «الكردستاني»، نافياً الاتهامات بأنه الذراع السياسية له. حتى أن ديميرطاش يحاول تكريس تلك المسافة والفصل، واصفاً العمليات الانتحارية التي تبناها «الكردستاني» بأنها «عمليات ارهابية».
لكن هذا النأي لا يشكل فرقاً لمن يعتبرون الأطراف الثلاثة تجليات لمشروع واحد، مع العلم أن أنقرة ليست الوحيدة المصدّرة لهذا التقدير. أهمية حديث ديميرطاش عن وحدة السلامين، وأسبقية السلام الكردي في تركيا على نظيره السوري، تأتي من طبيعة «المعرفة» التي تخوله قول ذلك. نفي الاتهامات بالارتباط بـ «الكردستاني» لا يلغي وجود اتصالات حصلت على الملأ.
بيئة «الكردستاني» هي بيئة الرجل السياسي والمحامي. كان من الوفد الذي تواصل مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، حينما أبحروا إلى سجنه على جزيرة إمرالي ممهدين لانطلاق مفاوضات السلام. نهاية العام الماضي قام أيضاً بزيارةٍ معلن عنها إلى جبال قنديل، ليلتقي قيادات «الكردستاني». قال إنه كان مسعىً للوساطة والعودة للتفاوض، لكن الجيش التركي أصرّ على استهداف المنطقة بالصواريخ والمدفعية منذ لحطة وصولهم.
لذلك، حينما يقول إن لا سلام في سوريا قبل السلام الكردي، فكلامه، بالتأكيد، ليس خاطرة. ليس فقط لأن دروبه سالكة لـ «الوساطة» لدى قيادات جبال قنديل، بل لأن كلامه بلسان الأكراد السوريين أيضاً لا يبدو أقل معرفة واعتداداً. في لفتة معبرة، شدد على أن «اردوغان لا يريد مصالحة مع أكراد سوريا، ولو حصل لأمكن استعادة السلام سريعاً»، قبل أن يفصّل في سيناريوهات سلام متصلة: «يمكن أن تكون هناك مناطق آمنة (في سوريا) تحت قيادة الأكراد، وهم مستعدون لاستضافة الجميع هناك، لكن أردوغان يرفض ذلك، ومسيرة السلام في تركيا معلّقة، ولذلك لن تكون هناك حلول من دون الوصول لحل في تركيا».
هذا النطاق الواسع، المشروع السياسي المدمج، يجعل حكومة أردوغان تستشيط غيظاً. حزب «الاتحاد الديموقراطي» السوري أعلن فدرالية الأمر الواقع، معتبراً أنها ستكون قدراً للمنطقة. واشنطن تدعمهم عسكرياً لحرب «داعش»، لكنها تتحفظ في العلن على المشروع السياسي، فيما أنقرة لا تكفّ عن انتقاد الحليف الأميركي لدعم من تعمم أنهم تحت مظلة «منظمة إرهابية» واحدة. إلى جانب ذلك، ستكون مطالب «الحكم الذاتي» بعض ملفات التحقيق مع النواب الأكراد في تركيا.
ديميرطاش قال إنهم لن يرضخوا أمام القبضة القضائية لمن يسعى لإحياء نظام السلطة العثمانية. قال للنواب الأوروبيين إن تركيا تسير إلى نموذج «نظام الرجل الواحد الذي تم خلقه تحت قيادة أردوغان»، قبل أن يضيف: «سيفعل أردوغان مثلما فعل هتلر، سيكون الرجل الوحيد في السلطة».
كلام متوقع بين الخصوم السياسيين، لكن هناك عمليات حسابية نيابية تدعم حديثه. التخلّص من النواب الأكراد سيفتح المجال لأردوغان كي يحصل، بطرق عدة، على غالبية الثلثين في البرلمان، تلك التي تمكّنه من تحقيق حلمه بتمرير دستور جديد يحول الدولة للنظام الرئاسي تحت قيادته. يلزم أردوغان لذلك فقط 14 نائباً إضافياً، فكتلته البرلمانية تشمل 317 برلمانياً من أصل 550. فيما سيواجه نواب «الشعوب الديموقراطي» الـ59، وعلى رأسهم رئيسه ديميرطاش، المحاكمات.
العملية قال إنها ستنطلق الاسبوع المقبل. هناك نحو 600 ملف تحقيق تواجه نواب حزبه، نصيبه منها أكثر من 90 ملفاً. قال إن جميعها تتعلق بمسائل متصلة بحرية التعبير، لكونها تتوقف عند خطابات وأحاديث له في مناسبات، منها تجمعات انتخابية. خطتهم للمواجهة هي التالي: المدعي العام سيوجه برقيات حضور لن يستجيبوا لها، ستأتي الشرطة لاقتيادهم إلى التحقيق بالقوة، لن يجيبوا على أي سؤال، لن يتعاونوا، سينشرون بياناً واحداً باسمهم جميعاً، وعلى الأرجح سيوضعون في السجن. وفق شروحاته، إخراجهم من البرلمان سيأخذ وقتاً، حتى تنتهي عملية المحاكمات، لكنه هدف الرئيس التركي لتأمين غالبية الثلثين. يمكن ذلك باجراء انتخابات في دوائر البرلمانيين المحكومين بالسجن من سنة فما فوق، كما أن سيناريو الانتخابات المبكرة يبقى حاضراً.
شهية الرئيس التركي للعودة إلى صناديق الاقتراع لديها تفسيرات واضحة، بالنسبة لديميرطاش ولتجارب تؤيد حججه. يقول إن أردوغان يديم الحرب مع «الكردستاني» لأنه يجني منها مكاسب انتخابية، إنه بكلماته «يستمد منها سلطته». عملياً، كان ذلك واضحاً حينما تمت اعادة الانتخابات العام الماضي، بعد انهيار اتفاق السلام وعودة الاحتراب.
كسب حزب «العدالة والتنمية» 59 نائباً إضافياً، على حساب تراجع خصومه: «الشعوب الديموقراطي» فقد 21 مقعداً نيابياً، في حين خسر حزب الحركة القومية 40 مقعداً.
النتيجة واضحة بحسب ديميرطاش: من يربح من الحرب لا يكترث بالسلام. لكنه كان مصرّاً على بث إشارة غامضة، تفاؤل لم يورد له أي أساس في شروحاته المستفيضة: «يبقى هناك تفاؤل، فالأيام الأكثر حلكة أحياناً هي الأيام التي تسبق بزوغ الشمس». لم يقل إن كان يقصد شمس «سلام» واحد، أم «السلامَين»، لكن الأسبقية الحتمية التي حددها تقول إن سماء السلام السوري باتت مطبقة السواد.