الرئيسية , أخبار الدول , استفتاء بريطانيا.. هل يفتح صندوق الشرور الأوروبي؟

استفتاء بريطانيا.. هل يفتح صندوق الشرور الأوروبي؟

لولا ضرورات اللباقة، لتَحوّل المبنى الأوروبي في لوكسمبورغ إلى بيت عزاء، بعدما استحالَ مدخلُ كبار الشخصيات إلى منصةٍ للمناحة السياسية. وزراء خارجية التكتّل كانوا عالقين أيضاً. أوروبا كلها عالقة. على الأقل هناك ما يستأهل استنزاف العواطف هذه المرة، بعدما أجبر مأزق الاستفتاء البريطاني الجميع على الوقوف أمام مفترق مصيري.
إنها مرّةٌ في العمر، يقول طرفا الحلبة البريطانية، لكنها مرّة كفيلة بإخراج كل شياطين الانقسام في بريطانيا والتكتل الأوروبي.
وزراء الخارجية الأوروبيون كانوا أمام قضية هي في صلب السياسة الداخلية، لكن طيف تبعاتها يطال صلب المشروع الأوروبي. بعضهم لم يستطع إلا تسريب لومه المضمر لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كايرون، على تهوره بالمجازفة، من أصلها، حينما دعا للاستفتاء حول بقاء أو خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي.
اكثرهم صراحة كان وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرلوت حينما قال للصحافيين إن كاميرون «أخذ على عاتقه المخاطرة ومسؤولياتها المتعلقة بالسياسات الداخلية»، قبل أن يستطرد، على طريقة «غلطة الشاطر بألف»، متوجهاً للبريطانيين «لدينا معاً تاريخ طويل من المآسي والآمال. خيار الشعب البريطاني هام لهم، لكن لأوروبا أيضاً، وعليهم وضع هذا التحدي التاريخي في اعتبارهم».
التحدي يضع الاتحاد على المحك، فالتحذيرات من تأثير «الدومينو» لم تتوقف طوال الطريق إلى الاستفتاء. دول عديدة تترقب خوفاً من أن تجد نفسها لاحقاً محاصرة بالمأزق ذاته، بعدما صار التكتل الاوروبي شماعة مواطنيها: بدءاً من التراجع الاقتصادي بفعل الأزمة المالية، وصولاً إلى ضريبة سياسات التقشف، انتهاءً بالصعود الكابوسي لأحزاب اليمين المتطرف المعادية للمشروع الأوروبي.
الغالبية في فرنسا وإيطاليا تدعم إقامة استفتاء مشابه، وغالبيات في دول أخرى سجلت نسباً قياسية في عدم الرضى عن سياسات بروكسل. الرسالة من روما وصلت للتو، مع فوز حركة «خمس نجوم» بمنصب عمدة بلدية العاصمة، مع غالبية ساحقة، إلى جانب مدينة تورينو. الحركة التي يقودها السياسي والممثل الكوميدي الايطالي بيبي غريللو تضع نصب عينيها معاداة تكتل منطقة اليورو، فيما يعد زعيمها باستحصال الشرعية اللازمة لاقامة استفتاء حول عضوية بلاده في تكتل العملة الموحدة.
التقاطع هنا ليس عابراً مع البريطانيين، رغم الاختلاف الكبير بين ظروف البلدين. حركة غريللو موجودةٌ في تكتل واحد، داخل البرلمان الأوروبي، مع حزب «الاستقلال» البريطاني الذي يمثّل أحد رؤوس الحملة الداعية لخروج بريطانيا. غريللو لا يفوّت مناسبة إلا وينتقد الارتباط باليورو. ربما من المفيد تذكّر ما قاله الأوروبيون سابقاً لليونان، وهي من ضمن الدول الساخطة إحصائياً على المشروع الأوروبي، حينما بيّنوا أنه لا مجال للخروج من اليورو لأن المعاهدات تتحدث فقط عن الخروج من الاتحاد الأوروبي ككل.
هذه المخاطر على المشروع الأوروبي، القادمة من داخل دوله، تشمل كل دولة يتصاعد فيها اليمين المتطرف. ما يعني نصف دوله تقريباً، من بولندا شرقاً إلى الدنمارك شمالاً. لذلك حذّر رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، وهو رئيس وزراء بولندا السابق، من أن خروج بريطانيا «يجعل الاتحاد الأوروبي مهدداً بالتفكك». قال ذلك رغم أن المصلحة تقتضي ابتلاع تلك الصراحة، فالبريطانيون لا يحتاجون المزيد من النعوات عن الهشاشة السياسية غير المسبوقة لهيكل العائلة الأوروبية.
المشكلة أن بريطانيا ستكون هنا قدوةً مشؤومة للأوروبيين. إن خرجت سيكون عليها التفاوض، وإن نجح نموذج دولتها خارج العائلة الأوروبية سيكون هنالك كثيرون يقولون: ما الذي يجبرنا على البقاء إذاً؟ سيتبدد حينها الحديث عن «الأفق المجهول»، ليتبدد معه الشبح الذي يخيف البقية، بفعالية كبيرة، طبعاً باستثناء بريطانيا.
ربما يفسّر ما سبق تلك السوداوية في التصريحات الأوروبية، فهي لم تكف عن إعطاء الانطباع بأنها تنطلق من قراءة متشائمة للقادم. ما الذي على المحّك الآن، وحدة بريطانيا أم وحدة التكتل الأوروبي؟ السؤال طرحته «السفير» على وزير خارجية لوكسمبورغ جون أسلبورن، مع العلم أن بلاده أحد الستة لنواة المشروع الأوروبي، حينما كانت مقراً لـ «الجماعة الأوروبية للفحم والصلب» التي ضمتها عام 1951 إلى جانب بلجيكا وهولندا، مع فرنسا والمانيا الغربية وإيطاليا.
لم يخف الديبلوماسي المخضرم أن للمخاوف أساساً، لكنه فضّل ذكرها في خلاصة مشفّرة، ليردّ بأن «ما نريده هو بريطانيا موحدة، داخل إتحاد أوروبي موحّد»، قبل أن يضيف «يوم 23 حزيران سيكون مهماً لبريطانيا وأوروبا، نريد لبريطانيا البقاء. إذا قالوا نعم فحينها سنسير معاً، إذا قالوا لا سوف يمضون لوحدهم، وهذا ليس جيداً لهم، لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا ثقافياً».
«لا سياسياً» ستكون حاضرةً بقوة إذا ربح معسكر الخروج. المخاطر السياسية على وحدة بريطانيا ليست قليلة، فهي المملكة المتحدة المكونة من أربع مقاطعات لا تتشارك رأياً سياسياً واحداً تجاه العضوية الأوروبية، رغم كونها مضطرة للتصويت في استفتاء وطني لا يقيم اعتباراً لتمايزاتها.
التحدي الأهم ستشكله مقاطعة اسكتلندا، فهناك لم تبرد بعد نزعة الاستقلال، وهو ما أكدته نتائج استفتائها الذي فاز فيه مؤيدو البقاء داخل بريطانيا بغالبية طفيفة. داخل اسكتلندا، كما أكدت مجدداً الاستطلاعات الأخيرة، ثمة غالبية معتبرة لا تريد الخروج من الاتحاد الأوروبي. لكن سكان هذه المقاطعة حوالي 5.5 مليون نسمة، سيكونون محكومين برأي الغالبية التي تحددها مقاطعة إنكلترا (تشكّل 55 مليون نسمة من أصل 65 مليونا هم سكان بريطانيا ككل). الحزب القومي الإسكتلندي سيجد أمامه قضية لا تعوّض في حال فاز معسكر الخروج، ما سيعطيه حجة قوية لطلب استفتاء جديد حول الاستقلال عن بريطانيا التي لا تتماشى غالبيتها مع هواه الأوروبي.
إقليم ايرلندا الشمالية يعيش وضعاً مشابهاً، فأحد أسباب ازدهاره الاقتصادي يأتي من الحدود المفتوحة مع جمهورية إيرلندا، العضو في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى مشاريع التمويل والمساعدات السخية التي تقدمها بروكسل. خروج بريطانيا سيلغي مكاسب مهمّة، مع عودة الحدود والجمارك بين الإيرلنديتين، فيما لن يمتثل سكان ايرلندا الشمالية (أقل بقليل من مليوني نسمة) بدورهم لرأي الغالبية الانكليزية. إقليم ويلز يتأرجح. مواطنوه يزيدون قليلاً على ثلاثة ملايين نسمة، وسيكونون مجرورين أيضاً على كل حال. حالة استثنائية أخرى تشكلها منطقة لندن، فهي عن دون باقي انكلترا أظهرت دعماً طاغياً للخيار الأوروبي.
كل هذه الحسابات معلّقة على نتائج استفتاء الخميس. الاستطلاعات تظهر استمرار التزاحم بين الحملتين، معطية الغلبة مرة لهذه الحملة ومرة لتلك، بفارقٍ طفيف جداً. حققت حملة البقاء مكاسب سريعة، صغيرة بدورها، بعد مقتل النائبة البريطانية العمالية جو كوكس على يدّ متطرف يميني، مهووس يرى الهوية البريطانية مهددة حدّ ارتكاب جريمة.
شبح الخروج لا يزال يفرد جناحين سوداوين يغطيان القارة. ليس معروفاً إن كانت البكائيات السياسية الأوروبية ستؤثر في غالبية البريطانيين، حتى لو كانت تعنيهم في الصميم، طالما لم تؤثر فيهم سيول التحذيرات الدولية من المخاطر على اقتصادهم ومكانتهم في العالم. الواضح أنهم لا يتأثرون بهذه «الفزاعات» أيضاً، فهم يسمعون منذ أشهر أن تصويتاً للخروج قد يجعل الشمس تغيب نهائياً عن بريطانيا بوصفها «المملكة المتحدة».

3455678

شارك هذا الموضوع:

شاهد أيضاً

“التوحيد مجلس القيادة”: في الذكرى الـ 31 لإستشهاد الرئيس رشيد كرامي نفتقد رجل الحكمة في زمن الفوضى

بمناسبة الذكرى الـ 31 لإستشهاد الرئيس رشيد كرامي أكدت “حركة التوحيد الإسلامي مجلس القيادة” في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *