الرئيسية , اهم الاخبار , المصالحة مع «إخوان مصر» بين الممكن والمستبعَد

المصالحة مع «إخوان مصر» بين الممكن والمستبعَد

ليست المرة الأولى التي يتردّد فيها حديث المصالحة بين جماعة «الإخوان المسلمين» والدولة المصرية على مدار السنوات الثلاث الماضية، لكنها المرة الأولى التي يأتي حديث المصالحة من قبل أحد أعضاء الحكومة.
فوزير الشؤون القانونية ومجلس الدولة المستشار مجدي العجاتي أدّلى بحديث صحافي أعلن فيه إمكانية، بل وأهمية، المصالحة، واستهداف وحدة المجتمع عبر قانون للعدالة الانتقالية.
وتزامن تصريح العجاتي مع تصريح لرئيس الكتلة البرلمانية الأكبر والداعمة للنظام «ائتلاف دعم مصر» سعد الجمال حدّد فيها شروط إتمام المصالحة مع «الإخوان المسلمين»، منها التصالح مع مَن لم تتلوّث أيديهم بالدم، والاعتراف بالأخطاء، وإدانة العمليات الإرهابية، وإجراء مراجعات فقهية.
كذلك تناقلت وسائل الإعلام أنباء عن زيارة مستشار الرئيس للشؤون الدينية الشيخ أسامة الأزهري لسجن العقرب، واجتماعه مع سجناء مع «الإخوان»، وهو ما فسّر على أنها لقاءات لدفع المراجعات الفقهية من أجل المصالحة، فيما نفى هو في تصريحات صحافية علاقة تلك الزيارات بالمصالحة.
تلك الخطوات تختلف بشكل واضح عن كل ما ردّدته الدولة من قبل عن المصالحة، والذي تلخص دائماً في أن القرار للشعب وليس للدولة، وأن «الإخوان» يحتاجون للمصالحة مع المجتمع أولاً وليس مع الدولة.
الجماعة لم يصدر عنها حتى الآن أي رد فعل واضح، سواء بالسلب أو الإيجاب، على الإشارات المتلاحقة من قبل الدولة، وهو ما يحمل دلالة في حد ذاته. فعادة ما كان ردّ «الإخوان» على أي حديث للمصالحة سلبياً، لعدم اعترافها بشرعية النظام، الذي جاء بحسب الجماعة عبر انقلاب عسكري على رئيس منتخَب. لذا فعدم رد الجماعة في حد ذاته يعني تغيراً في موقفها.
حديث المصالحة الذي يُطرح اليوم بطريقة أكثر جدية، كما يُبدي الطرفان مرونة لم تكن موجودة من قبل، يأتي في ظروف تبدو مختلفة عن السابق. فمن ناحية لم تعد الجماعة قادرة على إحداث تأثير يُذكَر في الشارع، فالاحتجاجات الأكبر في الشهور الأخيرة كانت بمبادرة من القوى المدنية وليس من قبل «الإخوان»، كذلك فإن من تمّ اعتقالهم وملاحقتهم كانوا من القوى المدنية. خريطة المستقبل التي أعلنت في الثالث من تموز العام 2013 تمّ إنجاز خطواتها بالكامل، ولم يتمكّن «الإخوان» من تعطيلها في أي مرحلة. والرهان على العزلة الدولية للنظام لم ينجح، وتحسنت علاقة السلطة بمختلف الدول، حتى التي راهنت الجماعة على موقفها، وتمكن النظام من إبرام صفقات مع فرنسا وألمانيا وأميركا واستقبل رؤساء دول واستقبلته عواصم العالم.
قد تمثل تلك الأوضاع بالفعل ظرفاً مناسباً لإجراء المصالحة. فالجماعة عندما تكون في أضعف حالاتها، سواء من ناحية غياب تأثيرها في الشارع، أو من ناحية معاناتها من الانقسامات والصراعات الداخلية، قد تكون جاهزة لتقديم تنازلات لإتمام مصالحة تمنحها الفرصة لجمع شتاتها ومحاولة استعادة وجودها. كذلك قد يكون من الأفضل للنظام، في ظل تراجع تأثير قدرة «الإخوان» على المعارضة، وبروز معارضة جديدة من القوى المدنية، إجراء مصالحة تسهم في تدعيم علاقاته الخارجية، وتلبي مطالب السعودية، حليفه الرئيسي الذي يسعى لبناء تحالف سني يواجه به المد الإيراني، ويعوقه في ذلك توتر العلاقات المصرية – التركية على خلفية موقف الطرفين من «الإخوان».
من ناحية أخرى، لا يبدو مسار المصالحة سهلاً لأي من الطرفين، فالدولة استفادت من حالة الصراع مع «الإخوان» في تشديد قبضتها الأمنية ومنع كافة مظاهر الديموقراطية والتضييق على الحريات لأقصى درجة، والمصالحة ستعني زوال أسباب تلك الحالة وتدعم المطالبة بفتح المجال العام وتحسين حالة الديموقراطية. كما أنها نجحت في خلق رأي عام معادٍ للجماعة ورافض للمصالحة معها، حتى إطاحة «الإخوان» ومواجهتهم تُعَدّ أحد أركان شرعية النظام الحالي، وتسويق المصالحة لدى الرأي العام قد لا يكون سهلاً.
الجماعة أيضاً، والتي يدفعها ضعفها للقبول بالتنازل لإتمام المصالحة، قد يكون ضعفها نفسه معوقاً للمصالحة. فعملياً لم تعد هناك قيادة واحدة قادرة على اتخاذ قرار المصالحة وفرضه على الجميع داخل «الإخوان» في ظل حالة من الانقسامات والصراع. كذلك فمرحلة الصراع والصدام مع الدولة، والتي سقطت فيها أعداد ضخمة من الضحايا، خلقت قطاعاً أكثر راديكالية تجاه السلطة لن يقبل بالتصالح معها، وقد تعني المصالحة انشقاق أعداد كبيرة عن الجماعة واتجاهها للعنف.
ذلك ما يجعل الإشارات الصادرة من جانب الدولة، وصمت الجماعة وعدم ردها بالرفض المعتاد، غير كافيين لتأكيد جدية مساعي المصالحة. حسن نافعة، أستاذ السياسة في جامعة القاهرة والذي طرح ورقة قبل عامين لحل الأزمة السياسية، لا يُبدي الكثير من الحماس إزاء ما يدور حالياً من حديث المصالحة. فيقول في حديثه لـ «السفير»، «لست واثقاً من جدية حديث المصالحة الحالي. أصبحت على قناعة بأن النظام يستخدم الإخوان كفزاعة لتعطيل التحول الديموقراطي على نهج (حسني) مبارك نفسه. المصالحة ابتذلت، فالقضية ليست قضية مصالحة بين الإخوان والدولة، فنحن لسنا إزاء قبائل متصارعة، ولكن القضية قضية أزمة سياسية، يجب أن تُحلّ، ولكن النظام لا يريد أن يرى طبيعة المشكلة. النظام يريد أن يحسم كل شيء بالأمن، والشعب يريد الديموقراطية».
ويضيف نافعة «ليس هناك خلاف جوهري بين الإخوان والسلطة، خاصة على مستوى السياسات الاقتصادية والاجتماعية. ولكن هناك تنافس على السلطة. لا الإخوان ولا السلطة لديهما مشروع للتحول الديموقراطي. والمخرج الحقيقي هو إيجاد صيغة مناسبة للتحول الديموقراطي، وليس مجرد حديث المصالحة».
ويرى نافعة أن حديث المصالحة للاستهلاك المحلي فقط، وأيضاً موجه لبعض الأطراف الخارجية التي تسعى لبناء تحالف سني في مواجهة النفوذ الإيراني. ويضيف «المطلوب إعادة إدماج الجماعة في الحياة السياسية، وهو ما يستدعي تغييراً جوهرياً في فكر الجماعة وبنيتها، بحيث لا تكون مجتمعاً داخل المجتمع، ولا أرى الجماعة جاهزة لذلك. كذلك يستدعي من السلطة تحولاً ديموقراطياً حقيقياً وفتح المجال العام، وهو أيضاً ما لا تبدو السلطة جاهزة له. وبذلك فإن حديث المصالحة لا يبدو جاداً».
بعد أيام تحل الذكرى الثالثة للثلاثين من يونيو، وبعد ثلاث سنوات لم يعُد شيء كما كان. تحالف «30 يونيو» الذي أطاح جماعة «الإخوان» تفكك بالكامل، وانتقل الكثيرون من خندق التأييد لخندق المعارضة. والجماعة التي خاضت صراعاً مفتوحاً ضد النظام وهنت، وبالكاد تسعى لحل أزماتها الداخلية. ومع إشارات قوية من قبل الدولة تصرح بما لم يكن قابلاً للتلميح به من قبل، فإن تحولات لم تكن متوقعة قد تكون في الطريق.

64578

شارك هذا الموضوع:

شاهد أيضاً

بريطانيا تمنح قيادات الإخوان في مصر حق اللجوء السياسي.. ومصر تستنكر القرار وتعتبر الخطوة ذات تأثير سلبي على العلاقات بين البلدين

وصفت مصر الخطوة البريطانية بالسماح لأعضاء من “جماعة الإخوان المسلمين” بتقديم طلبات اللجوء السياسي لديها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *