أحدث الأخبار
الرئيسية , اهم الاخبار , الليبراليون في مصر: محاولات استنهاض تيار أنهكه التفكك والعشوائية

الليبراليون في مصر: محاولات استنهاض تيار أنهكه التفكك والعشوائية

لم تتمكن الأحزاب الليبرالية في مصر من الاحتفاظ بالتراث السياسي العريق لهذا التيار ودوره في الحركة الوطنية والتحديثية في مصر والمنطقة العربية، خاصة في فترة مقاومة الإنكليز. فواقع التيار الليبرالي اليوم يعكس تفكك هذه القوة الفكرية والسياسية وتشتت أحزابها وارتباطها برموز شخصية يجعل من انتشارها الجماهيري مجرد ترويج هش لصور أشخاص قد يسهل تشويههم.

مع كل انتقاد جديد لأداء البرلمان المصري الحالي بتركيبته السياسية التي يهيمن عليها المستقلون، أو تعالي أصوات منظمات المجتمع المدني من تجاوزات حقوقية معينة من الدولة المصرية، يحصل التيار الليبرالي على نصيب مرتفع من اللوم بسبب فشله الذريع في الاحتفاظ بمساحة آمنة في الحياة السياسية المصرية.

بعض المراقبين وصفوا الأحزاب الليبرالية بأنها تحولت إلى مقرات فارغة لا علاقة لها بالعمل السياسي، ولا بالحراك المجتمعي حتى في الكثير من الأحيان، وهو وضع نشأ نتيجة ما اعتبره مراقبون آخرون ربط الأحزاب والتيار ككل بأشخاص معينين حتى يتسنى للدولة التخلص منه عبر تشويه هؤلاء الرموز.

المشكلات والأزمات التي تمر بها جميع الأحزاب الليبرالية في مصر حاليا تعد من أبرز العلامات الدالة على عقم هذا التيار الذي يطالب بالإصلاح ولا يستطيع فك شفرات ما يعتمل داخله من احتجاجات وخصومات أرخت بظلال سلبية على مستقبله، في وقت بدت فيه الساحة مهيأة لصعوده، عقب الانتكاسة التي مني التيار الإسلامي، وتصاعد حدة الخلافات داخل اليسار.

ويقول جورج إسحاق، مقرر لجنة الحقوق السياسية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان لـ”العرب” إن الأجواء السياسية المغلقة داخل مصر وتهافت الأحزاب على السلطة عقب ثورة 30 يونيو 2013 ساهما في اندثار التيار الليبرالي خلال الفترة الحالية.
وأشار إسحاق الذي قام بدور طليعي في الحركة الوطنية للتغيير الليبرالية أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلى أن تلك الأحزاب تعاني اليأس والإحباط منذ تهميش أدوارها عقب الإطاحة بنظام الإخوان.

وأضاف أن الليبرالية في مصر ترتبط دائما بأشخاص، يؤدي غيابهم إلى غياب المناصرين لهم، وهو ما نجح فيه النظام بإرغام محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية السابق، وأيمن نور زعيم حزب الغد، وغيرهما من الشخصيات المؤثرة، على مغادرة البلاد لإضعاف تأثير التيار نفسه.

مراقبون أكدوا لـ”العرب” أن اندثار التيار الليبرالي من الحياة السياسية ارتبط بالمواقف التي اتخذتها السلطة المصرية من جميع المؤسسات ذات الصلة بالغرب بتضييق الخناق على منظمات المجتمع المدني، والشخصيات الليبرالية المعروفة بعلاقاتها القوية بالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.

سياسة مرتبكة

في أحيان أخرى تم استغلال قضايا التمويل الأجنبي في الهجوم على التيار الليبرالي، بهدف تشويه صورته وضربه سياسيا، لعدم تكرار تجربة “جبهة الإنقاذ” التي كانت من أهم عوامل إسقاط حكم الإخوان قبل ثلاث سنوات، حيث تشكلت من أطياف سياسية مختلفة، ولعبت دورا مهما في تحريك الشارع المصري.

وبدا واضحا أن النظام المصري يتعامل مع التيار الليبرالي بنوع من الحذر، أو على أنه مرادف للقوى التي يردد دوما أنها تستهدفه، لذلك قام بتحجيمه عبر تطبيق بعض القوانين بقسوة مفرطة، مثل قانون التظاهر الذي طبق على عدد من شباب التيار مثل أحمد ماهر مؤسس حركة 6 أبريل ورفاقه، ناهيك عن سد المنافذ أمام عودة شاب من الخارج، مثل وائل غنيم المقيم في الولايات المتحدة وكان أحد رموز ثورة 25 يناير 2011.

كذلك نجح النظام المصري في التضييق على منظمات المجتمع المدني، ونهاية برفض سيطرة الأحزاب على البرلمان من خلال قانون الانتخابات الذي أعطى فرصا أكبر للمستقلين.

محمد الحسيني عضو الهيئة العليا لحزب الوفد (أكبر الأحزاب الليبرالية وأقدمها)، اعترف بتراجع الأدوار السياسية للأحزاب الليبرالية تحديداً داخل البرلمان، بعد أن فشلت في تشكيل كتلة معارضة قوية في مواجهة “ائتلاف دعم مصر” صاحب الأغلبية والمؤيد للنظام الحاكم.

تقدر أعداد النواب البرلمانيين المنتمين إلى التيار الليبرالي بحوالي 200 نائب من إجمالي 596 نائبا يمثلون أحزاب (الوفد، المصريين الأحرار، المؤتمر، الحرية، الصرح المصري الحر) بالإضافة إلى عدد قليل من المستقلين.
ويفسر الحسيني في حديثه لـ“العرب” هذا الفشل بأن المواقف السياسية المختلفة للأحزاب الليبرالية أعاقت تشكيل تحالف موحد تحت قبة البرلمان، فمثلا حزب المصريين الأحرار (زعيمه رجل الأعمال نجيب ساويرس) يتخذ مواقف أكثر تشددا ضد السلطة من حزب الوفد الذي يتعامل مع كل موقف على حدة.

وأوضح أن العلاقات القوية بين الليبراليين والغرب مسألة تاريخية ودائما ما تكون بصفة شخصية، بعيدا عن المواقف السياسية، مشيرا إلى أن الأحزاب الليبرالية اعتادت على ضغوط السلطة في تلك المسألة تحديدا لكنها لم تؤثر على أدائها.

مراقبون رأوا أن التعامل الأمني الحاد مع المعارضين السياسيين أرغم الأحزاب الليبرالية على تقليل أنشطتها في الشارع، ووضعها في مأزق سياسي كبير، حيث ترفض الانضمام إلى معارضة الإخوان، ولا تملك القوة الكافية لمواجهة السلطة بمفردها.

جمال أسعد المحلل السياسي، أكد أن الأحزاب الليبرالية كانت تستغل الضغوط الحكومية لتشكيل تحالفات قوية في ما بينها، إلا أن ذلك الأمر لم يحدث في الفترة الحالية نتيجة تحول الأحزاب إلى مقرات فارغة لا علاقة لها بالعمل السياسي، وابتعادها عن الشارع.

وأشار في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن الأحزاب الليبرالية أصابها ما أصاب جميع الأحزاب المصرية، فأصبحت تحكمها المصالح الخاصة، وتعتمد أكثر على إظهار الذات دون أن تكون لها برامج يتم الترويج لها في الشارع لجذب المزيد من الأعضاء.

وأوضح أن التيار الليبرالي في مصر يمتلك تاريخا سيء السمعة، جزء منه بسبب أفعاله، وجزء آخر مدبر من السلطة لإضعافه، لكن المؤكد أنه فشل في استغلال عودة الحياة الحزبية في مصر منتصف سبعينات القرن الماضي.

أسباب متباينة

بدلا من ممارسة أي دور مؤثر في الحياة السياسية أو الشارع تحولت الأحزاب إلى ديكور سياسي للسلطة الحاكمة، حتى اندلاع ثورة يناير، وبعد أن نجحت في إقصاء الإخوان عادت مرة أخرى لتقوم بنفس الدور السابق دون أن تمتلك مواقف سياسية قوية.

هناك من يرى أن أداء الليبراليين السيء في الفترة الحالية ليست له علاقة بالنظام الحالي، ففي انتخابات 2012 التي أعقبت ثورة يناير فشل التيار نفسه في الحصول على ثلث مقاعد البرلمان، ما يعني أن الأداء مرتبط بمشكلات داخلية في الأحزاب.

وشهد العام الماضي بالفعل العديد من الانقسامات داخل الأحزاب الليبرالية، أهمها حدوث انشقاق داخل حزب الوفد انتهى بفصل 8 من أعضاء هيئته العليا، كما استقالت رئيسة حزب الدستور هالة شكرالله، فيما يعاني الحزب الديمقراطي الاجتماعي من أزمة استقالات متكررة بعد انتخاب رئيس جديد للحزب (فريد زهران) مطلع العام الجاري.

كذلك تعاني الأحزاب الليبرالية من مشكلة مشتركة أخرى تتعلق بالتمويل، وهي مشكلة سببها الأساسي عزوف المواطنين عن الانضمام إلى تلك الأحزاب، وعدم رهان رجال الأعمال عليها باستثناء حزب المصريين الأحرار الذي يموله نجيب ساويرس.

وبحسب سياسيين فإن الحالة الليبرالية المصرية تتسم بالعشوائية، فقد توسع نطاقها بشكل ملحوظ، لكنها لم تنجح في التغلغل داخل المجتمع وفشلت في استثمار صورتها الإيجابية لدى العوام، قبل أن يعاد تشويهها مجددا عقب ثورة 30 يونيو.

بعد أن تراجعت الصورة المنفرة الشائعة التي كانت تربط الليبرالية بالإلحاد، التي عمد أنصار الإسلام السياسي ترويجها في إطار الصراع السياسي بين الطرفين، ظهرت بعد 30 يونيو صورة السياسيين الذين يقبضون من الغرب للتآمر على بلدهم.
وساهمت التسجيلات التي أذاعتها بعض القنوات الفضائية وتخص عددا من الرموز الشبابية المحسوبة على التيار الليبرالي في إمعان تشويه صورتهم، حيث أظهرتهم كأنهم عملاء لدول خارجية (غربية)، يتلقون منها التعليمات والأوامر للإضرار بمصالح مصر مقابل مبالغ مالية باهظة.

شخص البعض مأزق الليبرالية في مصر على أنه ضعف إلمام معظم من يصنفون على أنهم ليبراليون بالأفكار التي ينتسبون إليها، فضلا عن صعوبة تبسيط أفكار هي بطابعها ليست بسيطة ولا يسهل اختزالها في شعارات يمكن ترويجها مجتمعيا، كذلك ارتباط جزء أساسي من ازدياد الإقبال على الليبرالية بعد ثورة 25 يناير بالاستقطاب الحاد، وتحوله من وسيلة للتقدم والتجديد الفكري والسياسي إلى مجرد أداة لمواجهة قوى الإسلام السياسي.

يؤشر تحول التيار الليبرالي في مصر من قوة سياسية كانت مشاركة على مر التاريخ السياسي المصري في صناعة القرارات الكبرى إلى مجرد صورة سياسية وأيديولوجية مزقتها أجهزة السلطة عبر التشويه وعمقت التيارات الإسلامية جراحها عبر التكفير والاتهامات الخطيرة، على أن المشهد السياسي المصري سوف يبقى لسنوات طويلة مستقبلا منقوصا من عنصر هام في المشهد السياسي قادر على حفظ التوازن بين السلطة الحالية وباقي التيارات التي من بينها اليساريون وبعض الأحزاب الإسلامية مثل حزب النور، ولذلك ينادي البعض بضرورة إعادة لم شمل العائلة الليبرالية المصرية كي لا تضيع فرصة تحقيق التوازن المفقود.
(العرب)

234567890

شارك هذا الموضوع:

شاهد أيضاً

سوريا والعالم ولعنة التكفير بين «الطليعة المقاتلة» و«الإخوان المسلمين»

«الطليعة المقاتلة» ليست مجرد طيفٍ دموي يُؤرق جماعة «الإخوان المسلمين» العاجزة عن تقمّصه او التبرّؤ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *