الرئيسية , االصور , مؤتمر “أهل السنة والجماعة”ما له وما عليه

مؤتمر “أهل السنة والجماعة”ما له وما عليه

بقلم: فضيلة الشيخ هاشم منقارة*

البيان الختامي لمؤتمر أهل السنة والجماعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ففي مساء الخميس الحادي والعشرين من ذي القعدة، سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وألف موافق الخامس والعشرين من أغسطس سنة ست عشرة وألفين من الميلاد، وفي ظل محاولات اختطاف لقب (أهل السنة والجماعة) الشريف من قبل طوائف من الخوارج والمارقين الذين تُسْتَغل ممارساتهم الخاطئة لتشويه صورة الدين الإسلامي، انعقد المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين إحياء لذكرى الشيخ الشهيد الرئيس أحمد حاج قديروف رحمه الله تحت عنوان: (من هم أهل السنة والجماعة؟! بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادا وفقها وسلوكاً، وأثر الانحراف عنه على الواقع)، برعاية كريمة من فخامة الرئيس رمضان أحمد قديروف حفظه الله، وحضور رفيع لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، والمفتين، وأكثر من مئتي عالم من علماء المسلمين، من أنحاء العالم وقد خَلُص المؤتمر إلى الآتي:

* أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علماً وأخلاقاً وتزكيةً على طريقة سيد الطائفة الإمام الجنيد ومن سار على نهجه من أئمة الهدى، وهو المنهج الذي يحترم دوائر العلوم الخادمة للوحي، ويكشف بحق عن معالم هذا الدين ومقاصده في حفظ الأنفس والعقول، وحفظ الدين من تحريفه والعبث به، وحفظ الأموال والأعراض، وحفظ منظومة الأخلاق الرفيعة.
* للقرآن الكريم حرم يحيط به من العلوم الخادمة له، المساعدة على استنباط معانيه، وإدراك مقاصده وغاياته الموصلة إلى الله، واستخراج العلوم الـمُودعة فيه، وتحويل آياته إلى حياة وحضارة، وآداب وفنون وأخلاق ورحمة وراحة، وإيمان وعمران، وإشاعة السلم والأمان في العالم، حتى ترى الشعوب والثقافات والحضارات المختلفة عيانا أن هذا الدين رحمة للعالمين، وسعادة في الدنيا والآخرة.
* منهج أهل السنة والجماعة هو أجمعُ وأدق مناهج أهل الإسلام وأتقنها، وأشدها إحكاما، وأكثرها عناية بانتقاء الكتب العلمية ومنهجيات التدريس التي تعبر تعبيرا صحيحاً عن طريقة العقل المسلم في إدراك الشرع الشريف، وإدراك الواقع بكل تعقيده، وحسن الربط بينهما.
* قامت تلك المدارس العلمية المعبرة عن أهل السنة والجماعة عبر قرون كثيرة بتخريج مئات الألوف من العلماء والخريجين، الذين انتشروا في آفاق الدنيا من سيبيريا إلى نيجيريا، ومن طنجة إلى جاكرتا، وتولوا الرتب والمناصب المختلفة، مع الإفتاء والقضاء والتدريس والخطابة، فاستفاض بهم الأمان في المجتمعات، وأطفئوا نيران الفتن والحروب، واستقرت بهم الأوطان، وانتشر بهم العلم والوعي الصحيح.
* ظل أهل السنة والجماعة عبر التاريخ يرصدون كل فكر منحرف، ويرصدون مقالات الفرق ومفاهيمها، ويقيمون لها موازين العلم والنقد والتفنيد، ويظهرون الإقدام والحزم في مواجهة مظاهر الانحراف، ويستخدمون أدوات العلوم الرصينة في التمحيص والتصويب، فكلما نشط منهجهم العلمي انحسرت أمواج التطرف، واستقام الأمر للأمة المحمدية لتتفرغ وتنصرف لصناعة الحضارة، فوجد العباقرة من علماء الإسلام، الذين أسهموا في الجبر والمقابلة والحساب والمعادلات المثلثية، وعلوم الهندسة التحليلية، والكسور الاعتيادية واللوغاريثمات، والوزن النوعي، وطب وجراحة العيون، والطب النفسي، وعلوم الأورام، والأوبئة، والأجنة والعقاقير، وموسوعات الصيدلة، وعلوم الحيوان والنبات، والجاذبية الأرضية، وعلوم النجوم والبيئة، وعلوم الصوتيات والبصريات، وغير ذلك من العلوم، وتلك ثمرات منهج أهل السنة والجماعة التي لا تنكر.
* تكرر عبر التاريخ هبوب أمواج من الفكر المضطرب والمنحرف، الذي يدعي الانتساب إلى الوحي الشريف، ويتمرد على المنهج العلمي الصحيح ويروم تدميره، ويزعزع أمن الناس واستقرارهم، وكانت أولى تلك الموجات الضالة الضارة، الخوارج قديما، وصولا إلى خوارج العصر الحديث من أدعياء السلفية التكفيرية، وداعش ومن سار على نهجهم من التيارات المتطرفة التي يعتبر القاسم المشترك بينها هو التحريف الغالي والانتحال المبطل، والتأويل الجاهل للدين، مما ولَّدَ عشرات من المفاهيم المضطربة المغلوطة، والتأويلات الباطلة التي تناسل منها التكفير والتدمير، وإراقة الدماء والتخريب، وتشويه اسم الإسلام، والتسبب في محاربته والعدوان عليه، وهو ما استوجب انبراء العدول من حملة هذا الدين الحنيف لتبرئته من كل ذلك مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين).
* يأتي هذا المؤتمر ليكون بإذن الله نقطة تحول مباركة لتصويب الانحراف الحاد والخطير الذي طال مفهوم “أهل السنة والجماعة” إثر محاولات اختطاف المتطرفين لهذا اللقب الشريف وقصرِه على أنفسهم، وإخراج أهله منه، وذلك من خلال تفعيل المنهج العلمي الرصين الأصيل الذي تبنته مدارسنا الكبرى التي تمثل صِمَام الأمان في تفكيك أطروحات التكفير والتطرف، ومن خلال إرسال رسائل الأمان والرحمة والسلام للعالمين، حتى ترجع بإذن الله بلداننا كلها منابر للنور، ومنابع للهداية.
وقد خلص المؤتمر أيضا إلى عدة توصيات:
١- إنشاء قناة على مستوى روسيا توصل صورة الإسلام للمواطنين وتحارب التطرّف والإرهاب.
٢- عودة مدارس العلم الكبرى للوعي بذاتها وتاريخها ومناهج تدريسها الأصيلة والعريقة، والرجوع إلى تدريس دوائر العلم المتكاملة، التي تصنع العلماء القادرين على الهداية، وعلى تفنيد مظاهر الانحراف الفكري، وعلى إشاعة العلم والأمان، وحفظ الأوطان.
٣- العناية والاهتمام الضروريان بقنوات التواصل الاجتماعي، وتخصيص ما يلزم من الطاقات والخبرات للحضور في تلك الوسائط حضوراً قويا فاعلا.
٤- رفع مستوى الاهتمام والعناية بتدريس كافة العلوم الإسلامية، وخاصة علمي أصول الفقه والكلام لضبط النظر وتصحيح الفكر وتفنيد مقولات التكفير والإلحاد.
٥- أن يتم إنشاء مركز علمي بجمهورية الشيشان العتيدة لرصد ودراسة الفرق المعاصرة ومفاهيمها، وتشكيل قاعدة بيانات موثقة تساعد على التفنيد والنقد العلمي للفكر المتطرف ومقولاته، ويقترح المؤتمرون أن يحمل هذا المركز اسم (تبصير).
6- ضرورة رفع مستىوى التعاون بين المؤسسات العلمية العريقة كالأزهر الشريف، والقرويين والزيتونة، ومراكز العلم والبحث فيما بينها ومع المؤسسات الدينية والعلمية في روسيا الاتحادية.
7- ضرورة افتتاح (منصات تعليمية) للتعليم عن بعد لإشاعة العلم الآمن، حيثُ إنها تخدم الراغبين في العلم والمعرفة ممن يمنعهم عملهم من الانتظام في التعليم النظامي.
8- توجيه النصح للحكومات بضرورة دعم المؤسسات الدينية والمحاضن القائمة على المنهج الوسطي المعتدل، والتحذير من خطر ما تقوم به بعض الحكومات من اللعب على سياسة الموازنات وضرب الخطاب الديني ببعضه، وأنه لا ينتج إلا مزيدا من القلق في المجتمع، وتفتيتاً لصفه.
9- يوصي المشاركون مؤسسات أهل السنة الكبرى – الأزهر ونحوه – بتقديم المنح الدراسية للراغبين في دراسة العلوم الشرعية من المسلمين في روسيا.
10- يوصي المشاركون أن ينعقد هذا المؤتمر الهام بشكل دوري، لخدمة هذه الأهداف الجليلة، ومواكبة ما يستجد من تحديات ومواجهتها.
11 – تكوين لجنة لمتابعة تنفيذ النتائج والتوصيات التي تضمنها هذا البيان.
وقد تقدم المشاركون لفخامة الرئيس رمضان أحمد قديروف بالشكر الجزيل على جهوده المباركة في خدمة القرآن الكريم والسنة المطهرة، ودعوا له بالتوفيق لمواصلة مسيرة والده الشهيد الشيخ الحاج أحمد قديروف في خدمة الإسلام والإنسانية، والدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، رافعين أكفَّ الضراعة للباري عز وجل أن يتغمد فقيد الإسلام بالرحمة والرضوان ويكرم نزله في الجنان، وأن يحفظ الشيشان ويديم عليها الأمن والأمان والتقدم والازدهار.
كما توجه المشاركون بالشكر لمكتب ديوان الرئاسة لحسن تعاونه مع المنظمين، وللصندوق الإقليمي الخيري باسم بطل روسيا الشيخ الشهيد أحمد قديروف، والمؤسسة الخيرية لدعم الثقافة الإسلامية والعلم والتعليم، ومؤسسة طابة وسائر الإخوة الذين شاركوا في الترتيب والتنظيم لهذا المؤتمر.
وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
صدر في الشيشان، غروزني، 24 ذو القعدة 1437هـ،27 أغسطس 2016

اشعل البيان الختامي لمؤتمر «أهل السنة والجماعة» ردود فعل متباينة، بسبب ما اعتبره البعض قَصْرِه وصف أهل «السنة والجماعة» على «الصوفية، والأشعرية، والماتريدية»، مستبعداً السلفية، وفرقاً إسلامية أخرى.

وكان المؤتمر قد تلقى ردود أفعال غير راضية عنه قبل انعقاده وأثناءه ، من المجموعات السلفية والجماعات التابعة لها بسبب عدم دعوة أي منها للمشاركة في المؤتمر ، وجاء بيانُه الختامي ليزيد من وتيرة وحدة الانتقاد.

رأي المعارضين

أولًا: انعقَد المؤتمرُ في مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشِّيشان كدولة تابعة في الموقف السياسي لروسيا الاتحاديَّة.،التي يتهمها البعض باستهداف المسلمين في اكثر من مكان.

ثانيًا: راعِي المؤتمرِ هو رَئيسُ جمهوريَّة الشِّيشان رمضان قاديروف، المعروفُ بولائِه التامِّ للرَّئيس الرُّوسيِّ فلاديمير بوتين،والذي يأخذ عليع البعض سلوكيات معينة.

ثالثاً: صُدِّرَ بيانُ المؤتمر بهذه الجُملة: (أهلُ السُّنَّة والجَماعةِ هُم الأشاعرةُ والماتريديَّةُ في الاعتِقادِ، وأهلُ المذاهِبِ الأَربعةِ في الفِقهِ، وأهلُ التصوُّفِ الصافي عِلمًا وأخلاقًا وتزكيةً)، وهم بهذا على راي المعارضين قد خالفوا السُّنَّةَ وفرَّقوا الجماعةَ، وأخْرَجوا أئمَّةَ الإسلامِ -ممَّن عاشُوا قبل الأشْعريِّ والماتريديِّ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ والبُخاريِّ ومُسلمٍ، وغيرِهم- مِن مُسمَّى أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ

رابعاً: ومن وجهة نظر سلفية عَرَّض المؤتمرُ بمَن سمَّاهم المتطرِّفين- وغالبًا ما يُشيرونَ بهذا إلى أصحابِ المَنهجِ السلفيِّ-  وبأنَّهم أصحابُ مَنهجٍ مُنحرِفٍ، وخَطيرٍ، ومُتطرِّفٍ، وأنَّهم اختطفوا لقبَ أهل السُّنَّةِ والجَماعةِ وقَصَروه على أنفُسِهم، وأنَّ مُؤتمرَهم هذا جاء كنُقطةِ تحوُّلٍ لاسترجاعِ هذا اللَّقب.

خامساً: أوَّل توصيةٍ في المؤتمر كانتْ عن: (إنشاء قناة تليفزيونيَّة على مُستوَى روسيا الاتحاديَّة؛ لتوصيلِ صورةِ الإسلامِ الصحيحةِ للمُواطنين، ومُحارَبةِ التطرُّفِ والإرهابِ)، وهذه تَوصيةٌ يعتبرها المعارضون سِياسيَّةٌ بامتياز لصالح روسيا.

سادساً: وممَّا يدلُّ على أنَّه مؤتمرٌ انتقائيٌّ برأي المعارضين، إقصائيٌّ أكثرُ منه عالِميًّا: ما جاء في التوصيةِ الثالثةِ في المؤتمرِ، وهو (ضرورة رفْع مُستوَى التعاوُنِ بين المؤسَّساتِ العِلميَّةِ العَريقةِ كالأزهرِ الشَّريفِ، والقرويين، والزيتونة، وحضرموت، ومراكز العِلم والبحثِ فيما بينها وبين المؤسَّساتِ الدِّينيَّة والعِلميَّة في رُوسيا الاتحاديَّة) مُستبعِدين بذلك مراكزَ العِلم الأخرى في العالَمِ الإسلاميِّ كلِّه.

سابعاً: تجاهُلُ المؤتمرِ عُلماءَ كثر في أنحاء العالَمِ كلِّه كان مقصودًا؛ فلو كان المؤتمرُ يَهدِفُ بالفِعلِ إلى تَوحيدِ الكلمةِ، ولَمِّ الشَّملِ، لَجَمَع عُلماءَ المسلمين بشَتَّى تَوجُّهاتِهم؛ ليَخرجوا ببيانٍ يَجمَعُ كلمتَهم- ولو فيما يتَّفقونَ عليه- ويُؤجِّلوا ما اختَلفوا فيه، خاصَّةً في مِثل هذا الوقتِ الذي تَكالَبَ فيه عليهم اعدائهم، لكنَّ همَّهم في إخراجِ السَّلفيِّين مِن دائرةِ أهلِ السُّنَّة والجماعةِ أكبرُ مِن هَمِّ تَوحيدِ صَفِّ المسلِمينَ ضِدَّ عَدُوِّهم!

المؤيدون

المؤيدون يرون ان هدف المؤتمر القاء الضؤ على المشكلات التي تحيط بالعالم الاسلامي في مسائل العقائد والافكار التي يتم استغلالها من قبل الدول والمنظمات المتطرفة في صياغة مناهجها التدميرية في المنطقة وان التكفير والتفجير يسيران على قدم وساق وفي المقابل فإن المؤسسات الدينية المعنية لم تدرك اللحظة الفارقة مما انتج زمناً فراغياً فارقاً في مسيرة التكفير وملاحقته من المختصين بنشر الدين الوسطي وصحيح العقائد

شيخ الازهر الدكتور احمد لطيب اكد، أن الأزهر يسعد بالمشاركة فى المؤتمر، وهو جَميل تسديه الشيشان إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بل إلى العالم كله شرقًا وغربًا، وتسهم به إسهامًا جادًّا في إطفاء الحرائق والحروب اللاإنسانية، التي تتخذ من أجساد العرب والمسلمين وأشلائهم، فئران تجاربَ دموية، وتشعلها أنظمة استعمارية جديدة، تقدِّم بين يدي نيرانها نظريات شيطانية مرعبة، بل إن خططهم الماكرة بدأت تَزْحَفُ على ثقافات الناس ومعتقداتهم ومقدَّراتِهم التاريخيَّة والحضاريَّة، وتُخْضِعُهَا لمعاييرِ ثقافة عالميةٍ واحدةٍ.

ولفت الطيب إلى أن مفهوم “أهل السُّنَّة والجماعة” الذي كان يدور عليه أمرُ الأمَّة الإسلامية قرونًا متطاولة – نازعته في الآونة الأخيرة دعاوى وأهواء، لَبِسَتْ عِمَامَتَهُ شكلًا، وخرجت على أصوله وقواعده وسماحته موضوعًا وعملًا، حتى صار مفهومًا مضطربًا، شديد الاضطراب عند عامة المسلمين، بل عند خاصتهم ممن يتصدرون الدعوة إلى الله، لا يكادُ يبِينُ بعضٌ من معالِمِه حتى تَنْبَهِم قوادِمه وخَوَافِيهِ، وحتى يُصبِحَ نَهْبًا تتخطَّفُه دعواتٌ ونِحَلٌ وأهواء، كلُّها ترفع لافتة مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، وتزعم أنها وحدَها المتحدث الرسمي باسمه.. وكانت النتيجة التي لا مفرَّ منها أنْ تمزق شمل المسلمين بتمزق هذا المفهوم وتشتُّتِه في أذهان عامتهم وخاصتهم، مِمَّن تصدَّروا أمر الدعوة والتعليم، حتى صار التشدُّد والتطرُّف والإرهاب وجرائم القتل وسَفك الدِّماء.

وحدة الأمة الإسلامية فريضة وضرورة

لقد جاء الإسلام ليكفكف نزوات الإيذاء والظلم والتسلط والإساءة إلى الغير ويقيم أركان المجتمع على الفضل، وحُسن التخلق والصفات النبيلة التي منها الصفح، والعفو عن الإساءة والأذى، والحلم وترك الغضب والانتصار للنفس..

وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على طلب الشارع لوحدة المسلمين، وبصيغ تؤكد على وجوبها ولزومها، وترتب العقوبة على التفريط في تحقيقها في الواقع.

قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة آل عمران: 103].

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.

وقد اتفقت كلمة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان على الأمر بلزوم الجماعة، فكلهم بلا استثناء كانوا من دعاة الوحدة والاجتماع على الحق، ولم يكونوا من دعاة الفرقة والاختلاف.
قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: (كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله)

وحدة الامة الاسلامية ضرورة مفهوم هذه العبارة هو أن لا قيام لمصالح المسلمين في الدين والدنيا إلا بوحدتهم واجتماع كلمتهم على الحق، وأصدق الأدلة والبراهين على ذلك ما ينتج عن الفرقة والاختلاف – ضد الوحدة والاجتماع – من المفاسد والأضرار في الدين والدنيا، وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى

فوحدة المسلمين ليست خيارا استراتيجيا يلجأ إليه المسلمون عند الحاجة أو الضرورة، بل هي أصل من أصول الدين الكلية، وقاعدة من قواعده العظمى، والتفريط فيها معصية توجب غضب الله وعذابه في الدين والآخرة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} [سورة الأحزاب: 39].

والله المستعان، فقد وقعت الأمة فيما حذرها منه النبي صلى الله لما اختلفوا بينها فاختلفت قلوبهم، فأصبحت كل طائفة تؤدي شعائر الدين من صلاة صيام وحج ونحوها بطريقة مختلفة تماما، كل طائفة تتعصب لمذهبها وفتاوى أئمتها وعلمائها ولا تقبل الرد إلى الله ورسوله عند الاختلاف في شيء من أمور الدين.

وترى كل بلد من بلاد المسلمين يطبق من شرع الله – إن طبق- وفق أهواء ساستها، ولا تراعي في ذلك مصلحة الأمة، فتجد بعض بلاد المسلمين في عهد وصلح مع أعداء الأمة وتطبع العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، في الوقت الذي يتخذ من جاره المسلم موقفا مغايرا تماما.

وكذلك أدى اختلاف مناهج الدعاة ومقاصدهم إلى اختلاف قلوبهم، فعادى بعضهم بعضا، وبدع بعضهم بعضا، وحذر بعضهم من بعض، فنزع الله البركة من أقوالهم وأفعالهم، فلم يعد يسمع لهم أحد، أو ينضم لجماعتهم أحد، فنفقت سوق المعاصي والبدع، وانتشر بين المسلمين دعاة الباطل ومروجي الخرافة.

من أعظم أضرار اختلاف المسلمين وتفرق كلمتهم الفشل وذهاب الريح، وقد ذكرهما الله تعالى في القرآن لخطورتهما، فقال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة الأنفال: 46].
والفشل وذهاب الريح تعبير بليغ عن نقص قوة المسلمين وقصورهم عن بلوغ مقاصدهم في تقوية جيوشهم وإرهاب أعدائهم، وكذالك ضعف دولتهم أو سقوطها في يد الغزاة والمحتلين.

ولا تعبير أدق في وصف واقع المسلمين الأليم من الفشل وذهاب الريح، ذلك بأنهم اختلفوا وتنازعوا ففشلوا في تقوية جبهتهم الداخلية وإعداد القوة اللازمة لحماية أنفسهم، فباع طوائف من المسلمين ذممهم للكفار، فوالوهم من دون المؤمنين، وظلم الرعاة رعاياهم فجوعوهم وضربوا ظهورهم وأهانوا كراماتهم، فكرهت الرعايا رعاتهم فخرجت فئام منهم عن الجماعة وشقوا عصى الطاعة.

فذهبت الريح وتلاشت القوة، فضاعت أجزاء عزيزة من أرض الإسلام، إما بالاحتلال كفلسطين أو بتمكن الكفار والمنافقين عليها كما في العديد من الدول العربي والاسلامية،كل هذه المصائب وجميع هذه الويلات لم تكن لتحصل إلا باختلاف المسلمين وتفرقهم.

ونحن نتكلم في العموم لا يمكن لاي مؤتمر اسلامي جاد ان تكون اعماله مبرراً لايقاظ الفتنة وان استحضار قضايا وعناوين من غياهب الجدل العقيم انهكت الامة وقسمتها فأدت الى ما ادت اليه من ذل وهوان.

هذة الطروحات مشبوهة بعناوينها وتفاصيلها وزمانها ومكانها وفي ما تؤدي اليه من غايات باتت معروفة للقاصي والداني.

الاجدى بالمؤتمرات تحت المسميات الاسلامية ان ترتقي في الشكل والمضمون لمستوى التحدي المفروض على الامة بوحدتها فتعمل على ما يوحد كل الطاقات الممكنة.

اين العدوان الاسرائيلي ولامريكي والروسي على الامة من تلك التوصيات نكرر دائماً ان داعش واخواتها اجرام وارهاب ولكننا نكرر دائماً ان اسرائيل ومن لف لفها في موسكو وواشنطن والتطرف والارهاب هما وجهان لعملة واحدة.

اين هي تلك المواقف من حق المقاومة في تصديها للاحتلال الصهيوني وظلمه؟

الوحدة الاسلامية لا تصد ابوابها امام احد و مراجعة بعض علماء الوهابية…(((هؤﻻء بعضهم يسمون انفسهم تجاوزا سلفيون دون المسلمين و مصطلح السلفيه هو مرحله زمنيه ﻻ حاله مذهبيه و على هذا أﻷمه بمذاهبها كافة و التي هي مستقاه من الكتاب و السنه هم سلفيون و لو إختلفوا في مناهجهم و طرق اجتهادتهم  ))) فمراجعه بعض علماء مدرسه الشيخ محمد عبد الوهاب  لمنهجهم المتشدد عودة الى الحق وليسوا هم اهل الحق وحدهم من دون الناس والاسلام يجمعنا على حقيقة ان لا اله الا الله بغض النظر عن انه مؤتمر لاهل السنة والجماعة نحن أمة ولسنا طائفة نحن من تتوحد الأمة عليهم ولسنا سبباً للفرقة والشرذمة.

ونحن نثني على الرأي القائل” عن مفهوم أهل السُّنة والجماعة، أن يخرج بتقرير يتسع فيه هذا اللقب ولا يضيق، وهو ان يُدخل فيه المعتدلين من كل المدارس التي تعظم الايمان والاسلام واهله بحيث يكون أهل السُّنة والجماعة هم في هذا الزمان: كل من عظم السُّنة والصحابة واهل البيت والسلف من معتدلي الأشعرية والماتردية والسلفية والصوفية ممن لا يكفر مخالفه، ولا يتديّن بسلبه المطلق لشيء من حقوق أخوته الإسلامية (حباً وتعاوناً ونصرة) بحجة التضليل أو التكفير”.

“كنا نتمنى لو أن المؤتمر خرج ببيان أكثر اتساعاً للمخالف، رغم قناعة البعض أن عامة السلفية لن يرضوا حتى لو أدخلوهم معهم؛ لأنهم كانوا وما زالوا يحتكرون هذا اللقب، ويبدعون ويضللون وربما كفّروا مخالفهم، فهم لن يرضوا إلا أن يكونوا هم وحدهم أهل السُّنة والجماعة”.

وأنه “لا يحق لمن مارسوا التبديع والتضليل والإقصاء لعقود أن يعيبوا من قابل إقصاءهم بإقصاء وتضليلهم بتضليل، ولكن يحق لمن كان يتسع معتقدُه وتقريره وإنصافُه للجميع أن يكونوا تحت مظلة أهل السنة والجماعة أن يعتب على البيان: أنه قابل الإقصاء بإقصاء، والتبديع بتبديع”.

وحتى لا نقع في ما نود النهي عنه فإن دعوتنا للوحدة الاسلامية اكيدة وحاسمة لكنها تستلزم الحوار الرصين بشروطه الموضوعية دون اقصاء او تهميش لأحد…ولا بد ان يستوفي شروطه في الشكل والمضمون وأنه لا مشكلة لدينا مع المصطلحات والتسميات إنما في ما تؤدي اليه.

وعليه فإنه لا افراط ولا تفريط في الأمر سواء من قبل من يؤيد او يعارض ومسؤولية الدعوة الى الوحدة تقع على عاتق الجميع دون استثناء،وبالتالي فإن النجاح والفشل لأي مؤتمر إنما هو امر نسبي وليس بالشئ المطلق ولذلك فإننا نحي كل جهد وحدوي مخلص سواء كان تحت تسمية مؤيد او معارض عندما يكون القصد خالصاً لوجه الله تعالى

قال تعالى : (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )

*”رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الاسلامي عضو جبهة العمل الاسلامي واتحاد علماء بلاد الشام”

مؤتمر--أهل-السنة-والجماعة-ما-له-وما-عليه

شارك هذا الموضوع:

شاهد أيضاً

«حلّ متقدم» لأزمة مطلوبي عين الحلوة

التفجير المستمر والتوتير المقصود لمخيم عين الحلوة واستفحال ازمة التكفيريين والارهابيين والمطلوبين للدولة اللبنانية والقضاء …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *