الرئيسية , اهم الاخبار , كلمة السر الفلسطينية: لا وحدة بلا شراكة حقيقية

كلمة السر الفلسطينية: لا وحدة بلا شراكة حقيقية

نجحت زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الأخيرة إلى تركيا وقطر بتأمين مرور أعضاء مؤتمر «فتح» الغزيين إلى الضفة من دون معارضة «حماس»، لا سيما أنها تمت في ظل التلاقي بينه وبين الدولتين بعد طرح خطة «الرباعية العربية»، لأن غيابهم قد يؤدي إلى تأجيل المؤتمر، أو قد يدفع باتجاه المشاركة عبر الهاتف كما جرى في المرة السابقة، مع ما رافق ذلك من لغط كبير حول تزوير إرادة الناخبين. علماً أن عباس كان يهدف أيضاً إلى ضمان ألا تتحالف «حماس» مع دحلان وجماعته ضده في أي لحظة فارقة. لكن الزيارة لم تنجح في المقابل في إحراز أي تقدم في ملفات المصالحة.
وقد كان من الطبيعي أن يقدم عباس شيئاً لـ «حماس» ليضمن حصوله على ما يطلبه منها، مثل تحريك ملف المصالحة أو الموظفين أو غيرهما، حيث كان هناك بصيص أمل في لقائه بمشعل، إلا أن شيئاً مثل ذلك لم يحصل، وفشل الاجتماع فشلاً ذريعاً. فمن جهته، رفض عباس البحث في قضايا الخلاف ومتطلبات إنجاز الوحدة، محيلاً الأمر إلى دعوة الوفدين إلى جولة حوار قادمة، في ظل حديث عن تحضير قطر ورقة تكون أساساً للحوار القادم، علماً أن هذا قد يُغضب مصر، راعية ملف المصالحة.
أما لماذا لم يبادر الرئيس الفلسطيني إلى إعطاء «حماس» شيئاً مقابل ما يريده منها؟ فهذا قد يرجع إلى أن همّه الآن يتمثل بعقد مؤتمر «فتح»، وأنه لا يريد الانشغال بملف المصالحة أو غيره من الملفات، أو ربما لأنه يخشى حصول أي تقدم في المصالحة بعيداً عن مصر وحلفائها في «الرباعية العربية» كما أسلفنا، أو إلى أن الرئيس الفلسطيني لا يريد شريكاً له بعدما أقام حكماً فردياً من خلال استمراره بالتحكم بالسلطات كافة وتهميش المؤسسات داخل «فتح» والسلطة و «منظمة التحرير»، أو أن هناك تفكيراً بتأجيل عقد المؤتمر بعد المعارضة الإقليمية واستمرار الصعوبات الداخلية لذلك، وربما لبروز عوامل جديدة تقتضي هذا التأجيل، برغم أن معارضة جماعة دحلان لم تكن واسعة وتمت السيطرة عليها.
الواقع يقول بأن عباس لا يزال مصراً على الدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية والتحضير لإجراء الانتخابات خلال ستة أشهر. وإذا ما تعذّر الاتفاق على تشكيل الحكومة، تُجرى انتخابات من دون حكومة وحدة، على أن تكون المشاركة فيها ضمن قوائم مشتركة. والرئيس يشدد على الحاجة لأن يكون برنامج الحكومة هو ذاك الخاص بـ «منظمة التحرير»، ولأن يقوم على التزامات المنظمة واتفاقاتها المبرمة مع إسرائيل، على أن تُحَلّ مسألة الموظفين من خلال «لجنة إدارية» تشكلها حكومة الوحدة الوطنية، إضافة إلى رفض عقد المجلس التشريعي.
أما «حماس» فترى أنه من المفترض الالتزام بما تم التوقيع عليه في مكة والقاهرة والدوحة وغزة. وبالنسبة للبرنامج السياسي للحكومة، فهي تطرح خيارات عدة: أن تكون الحكومة حكومة مهمات بلا برنامج سياسي (على أساس أن المنظمة هي المسؤولة عن الموضوع السياسي)، أو أن تتم الموافقة على تشكيل حكومة وحدة وطنية يكون برنامجها السياسي ما سبق الاتفاق عليه بشكل مشترك، مثل وثيقة الوفاق الوطني، أو برنامج حكومة الوحدة التي تشكلت بعد «اتفاق مكة»، أو الصيغة التي اقترحها وفد «فتح» في 16 حزيران الماضي والتي لا تختلف جوهرياً عما سبق، مع التأكيد على «أن تحترم الحكومة قرارات الشرعية الدولية والاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير».
كما تؤكد «حماس» على أن المجلس التشريعي يجب أن يمارس عمله إلى حين انتخاب مجلس جديد، وعلى عقد لجنة تفعيل وتطوير «منظمة التحرير» لممارسة مهامها المنصوص عليها في اتفاق القاهرة في موعد أقصاه خمسة أسابيع على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. وبخصوص الموظفين، ترى «حماس» أنه يجب دمجهم في الكادر الوظيفي للسلطة من دون تمييز، بينما تعمل اللجنة القانونية والإدارية التي ستُشكَّل بالتوافق على توزيعهم وإعادة هيكلتهم بحسب القوانين والمعايير المتبعة في السلطة الفلسطينية.
المدقق في مواقف الجانبين يرى أن الهوة لا تزال سحيقة. فطرح الحل من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية والذهاب إلى انتخابات فقط محكوم بالفشل لأنه قفزة في المجهول. فكيف يمكن تشكيل حكومة وحدة والذهاب إلى الانتخابات، أو الذهاب إلى انتخابات بقوائم مشتركة من دون حكومة وحدة، في ظل تعمق الانقسام عمودياً وأفقياً وتربص كل طرف بالآخر؟ فالانتخابات لا يمكن أن تكون مدخلاً للوفاق الوطني، إنما تتويجاً له، وما جرى بعد الانتخابات التشريعية السابقة في العام 2006 لناحية عدم المضي في إجراء الانتخابات المحلية أكبر دليل على ما سبق.
أما الحل بعد كل ما جرى فلا يمكن أن يقوم إلا على الشراكة، التي تتجسد من خلال الاتفاق على أسس وآليات الشراكة ومراحلها وجدولها الزمني، بحيث يتم ذلك بشكل متزامن. وفي سياق ذلك يمكن حل الكثير من القضايا الخلافية، وما يتبقى منها يمكن إدارته في ظل الوحدة. ففي ظل الشراكة يكون كل طرف أكثر مرونة ومستعداً لتقديم التنازلات من أجل إنجاح الوحدة.
إن جوهر الشراكة المطلوبة والقابلة للنجاح يكمن في استعداد «حماس» قولاً وفعلاً للتنازل عن سيطرتها الانفرادية على قطاع غزة، مقابل تنازل «فتح» عن هيمنتها على المنظمة والنظام السياسي برمته. ويفترض كذلك أن يُعاد بناء مؤسسات «منظمة التحرير الفلسطينية» بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي التي تؤمن بالشراكة، على أساس الحقائق الجديدة والخبرات المستفادة، وعلى أسس وطنية وديموقراطية توافقية، تراعي الظرف الاستعماري الاحتلالي الخاص الذي تمر به فلسطين.
كما تقوم الشراكة على الالتزام بأن يكون قرار السلم والحرب، وسائر القرارات المصيرية، مسؤولية وطنية تقرر بشأنها المؤسسات الشرعية التي تجسد الإجماع الوطني، ولا يستطيع أن ينفرد بها شخص أو فصيل، وبأن تكون السلطة أداة من أدوات المنظمة، يُعاد النظر في دورها وشكلها ووظائفها والتزاماتها بما يخدم برنامج التحرر الوطني المشترك.
ما سبق يعني أنه لا مكان لأجهزة أمنية تابعة لهذا الفصيل أو ذاك، وهذا يتطلب إعادة بناء الأجهزة الأمنية وتوحيدها وإصلاحها لتصبح أجهزة مهنية بعيداً عن الحزبية. أما سلاح المقاومة والأجنحة العسكرية التابعة لها فيتم تشكيل جبهة وطنية مشتركة مثلما هو وارد في وثيقة الوفاق الوطني، تكون مسؤولة عن المقاومة، فلا تسحب سلاحها ولا تزجها في صراعات وتنافسات داخلية.
كما تعني الشراكة أن على الأطراف والفصائل المشاركة تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفردية والفئوية الفصائلية وعلى أي ارتباطات ومحاور عقائدية وسياسية. وهي لا تكتمل من دون الالتزام بقيم الديموقراطية التي تقوم على المساواة بين المواطنين واحترام وضمان حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وإجراء الانتخابات بشكل دوري ومنتظم في جميع القطاعات والمستويات، وإذا تعذر إجراؤها يكون التوافق الوطني على أسس يتفق عليها هو مصدر الشرعية. وتفترض الشراكة الامتناع عن توظيف إجراءات الاحتلال ضد طرف لمصلحة الطرف أو الأطراف الأخرى، كما تفترض رفض منطق الإقصاء أو الهيمنة.
قد يقول قائل إن هذا غير ممكن في ظل النخبة السياسية الحاكمة والمصالح المتعارضة بين أركانها. وهذا صحيح، لكنه يستجيب لمصلحة الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني، التي يقع عليها واجب التحرك للتعبير عن إرادتها بإنجاز الوحدة سريعاً، وقبل فوات الأوان.

هاني المصري (السفير)

02595620

شارك هذا الموضوع:

شاهد أيضاً

“التوحيد مجلس القيادة”: تبارك بذكرى المقاومة والتحرير… تاريخ عز وفخار في حياة اللبنانيين والأمة جمعاء

في الذكرى الثامنة عشر لذكرى المقاومة والتحرير باركت “حركة التوحيد الإسلامي مجلس القيادة” للشعب اللبناني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *