لقرون عديدة خلت، كان أهالي محافظة إدلب يتناوبون على زيارة المقامات والأضرحة المنتشرة في المحافظة والتي بلغ عددها في مدينة معرة النعمان وحدها أكثر من 25 مزاراً.
كانت هذه المزارات بالأولياء الذين تمثلهم ملجأ الناس لمناجاة ربهم في مجتمع إسلامي عرف عنه التزامه دينياً، حتى أنها تحولت إلى مساجد يقصدها المصلون بالإسم للتقرب من الله، معتمدين الأولياء كوسطاء بين العبد والرب.
من أشهر المقامات في إدلب «نبي الله يوشع بن نون، نبي الله شيث، أويس القرني، الأربعين، الصياد، عمر ابن الوردي، الشيخ منصور، القباقيبي، السيدة نفيسة، الشيخ عبس، الخواص، الشيخ المعاليقي، الأبطال السبعة»، وأخرى ملأت أحياء المعرة وارتبطت بها الأجيال جيلاً بعد جيل، ارتباطاً اجتماعياً ودينياً وصل إلى حد كبير جداً، حيث كان من يحلف اليمين عند مقام نبي الله يوشع لا يحنث به إلا في حالتي المرض أو العاهة المستديمة.
طقوس عديدة كانت تمارس في حرم هذه المقامات، وفي شهر رمضان المبارك كانت تقام أمسيات الذكر الحكيم، وكذلك الموالد والمناسبات الدينية، وكذلك علاج المرضى وفق طرق معينة تختلف حسب الولي الذي يتم العلاج في مزاره؛ ومن الطرق هذه العلاج بنبات (العسيج) المعتمد في مقام الشيخ حبش.
ولهذه المقامات كرامات كانت موضع تداول في الأوساط الاجتماعية على مدى قرون، وتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل حتى بات لها قيمتان روحية وتاريخية، فالقيمة الروحية جعلت من المكان مزاراً يأتيه الناس للتبرك بصاحبه والدعاء لله عز وجل فيه، والقيمة التاريخية تأتي من كونه بات جزءاً من تراث المنطقة الاجتماعي والديني.
يخدم هذه المقامات مواطنون تبرعوا للقيام بهذا الدور بإرادتهم، ويسمى الشخص المتطوع خادم المقام حيث يعمل على تنظيف المكان والعناية بالأشجار حوله وزراعتها، وكذلك العناية بقطع القماش الخضراء التي تحيط بالضريح وتحمل رمزية في جميع المقامات الموجودة في ادلب.
أضرحة الأولياء الصالحين في إدلب قديمة جداً في التاريخ، بعضها يعود للقرن السادس الهجري وحتى ما قبله، وقد حافظت على وجودها في مختلف العصور والظروف حتى باتت جزءاً من التركيبة الاجتماعية والثقافية والتراثية والتاريخية للمنطقة، إلا أنها لم تستطع مقاومة الأزمة السورية الراهنة والتي عصفت بهذه المقامات وقطعت العلاقة قسراً بين الأهالي وبينها بعدما أزيلت من الوجود تماماً ومنع الأهالي من ممارسة طقوسهم الدينية تاريخياً في هذه المقامات.
هدم المقامات يعود لسببين رئيسيين الأول شرعي والثاني لصوصي.
في الشرع الذي فرضته جبهة «فتح الشام» (النصرة سابقاً) وشركاؤها في النهج، فإن مقامات الأولياء تعتبر رموزاً وثنية، والشريعة تحرم زيارتها أو اللجوء إليها، والحكم عليها بالهدم وهذا ما حصل.
بعد تدميرها، منع الأهالي حتى من الاقتراب من المكان، وأي شخص يتم رصده بمحيطها يرفع يديه بالدعاء أو ينظر للسماء أو لمجرد الشك بأنه يمارس أي طقس ديني في المكان، يتم سوقه على الفور إلى المحكمة الشرعية ويعاقب.
أما السبب الثاني لتدميرها، فهو يقوم على دوافع السرقة ونبش هذه المقامات بحثاً عن الآثار، حيث تقول بعض الروايات المجتمعية، إن بعض هذه الأضرحة خبأ فيها الأتراك أموالهم وهم يغادرون سوريا في بدايات القرن الماضي ووضعوا رموزاً معينة بالقرب منها حتى يعودوا لها لكن معظمهم لم يعد وبقيت الأموال في مكانها وأصبحت اليوم كنوزاً.
الحاج عبد الخالق (اسم مستعار) وهو خادم سابق في أحد المقامات، يقول إنه لاحظ أن ضريح الولي الذي كان يخدم فيه، تم نبشه قبل أن يتم تدميره، موضحاً أن من دمروه قاموا بالتنقيب عن الذهب فيه قبل أن يقوموا بعملية التدمير، وفي اليوم التالي خرجوا للناس وقالوا إنهم دمروها لأنها مخالفة للشرع رغم عدم قناعتهم هم أنفسهم بهذا المبرر.
ويضيف الحاج أن الأشخاص الذين أشرفوا على عملية التدمير وهم عقيد منشق ومعه مقاتلون آخرون، تركوا البلاد الآن ويعيشون في ألمانيا منذ عامين تقريباً.
في كلتا الحالتين، فإن الأهالي الذين أمضوا مئات السنين وهم يعيشون جيلاً بعد جيل بقرب هذه المقامات ويؤمنون بها باتوا اليوم أشبه باليتامى في ظل تغيير واضح في تفاصيل حياتهم الاجتماعية والدينية وبشكل قسري رغماً عنهم دون أن يستطيعوا حماية أضرحة الأولياء الذين لطالما وثقوا بهم.
الجدير بالذكر أن السوريين على مختلف طوائفهم لديهم مزارات للأولياء وهم ينذرون على اسمها ويلفونها بالأخضر ويضعون النقود في صندوقها تبرعاً للفقراء.