قبل عامين، غادر أسعد بكر (28 عاماً) وزوجته هبة (22 عاماً) مع طفليهما، بهجرة غير شرعيّة، من غزة باتجاه إيطاليا عبر ميناء العريش المصري، بحثاً عن فرصةٍ تضمن لهم حياةً كريمة.
ومن المعروف عن آل بكرٍ أنّهم من رواد البحر ويعرفون ركوبه جيداً، فهم أبناء منطقة ساحليّة ويشتهرون بصيدِ الأسماك والسّباحة داخل أعماق الأبيض المتوسط، إلّا أن الغريب في الأمر أنّ المركب الذي كانوا على متنه، خذلهم.
فبعد أن شقّت السّفينة طريقها عبر شواطئ مصر إلى أوروبا، حدثت الفاجعة في عرض البحر، غرقت المركبة ومَن عليها، لكن الضّحايا فُقِدت جثثهم في ظروفٍ غامضةٍ لم تُكشف حتى الآن.
قالت الخمسينيّة أم أسعد، بتجاعيد وجهها التي جعلتها أكبر من عمرها «ذهبوا لتحسين مصيرهم ومعيشتهم، هربوا من البطالة، من الجوع ومن الحروب، ومنهم مَن كان ذاهباً لاستكمال تعليمه في الخارج».
وأضافت في تفاصيل مأساويّة جديدة: «لا نعرف مَصير أبنائنا، ولكن لدينا معلومات تُفيد بأنّهم اعتُقلوا بعد نجاتهم من الغرق، وسُرّبَت لنا أخبار تدلّ على أنّهم مسجونون وليسوا مفقودين»، مؤكدةً أنّهم ليس لديهم انتماء سياسي.
وتابعت والدموع تنهمر على وجهها: «حتى في يقظتي أحلم بأولادي الثلاثة المفقودين، أشتاق لمن هم سبب الفرحة، أصبحوا اليوم ذكرى ومآسيَ، نشتاق لهم في لحظاتنا، نستذكرهم كلّ جمعة وقت اجتماع العائلة».
وبحسبِ أم أسعد، التي تكالبت عليها الهموم، فإنّ المفقودين اعتقلوا لأسبابٍ أمنية وأخرى على خلفيّة الهجرة غير الشرعيّة، حيث وصلتهم أخبار بإطلاق خفر السواحل النار عليهم، فأصابت ولدها الذي سقط في البحر هو وزوجته الحامل وبقي الطفلان على متن المركب الذي لا ينتظر أحداً.
وطالبت العجوز بصوتٍ يلهث من الوجع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وكلّ مَن له ضمير حي بضرورة التّصريح عن مصير المفقودين بإدلاء معلومات عنهم، حتى لو كانوا أمواتاً.
وتجتمع أم أسعد وأهالي المفقودين كلّ شهرٍ، ويجلسون في حلقاتٍ يدعون الله فيها، أن يردّ إليهم الضّالين سالمين، «فلا أحد يفقد ضناه ويعيش مرتاح البال»، موضحةً أنّ أيامهم سوداء لجهلِهم الحقيقة.
ورسمت أم أسعد ابتسامة عريضة على وجهها حملت معنى التفاؤل والعودة للجميع بعد رؤيتها لهم في منامها، قائلة إنّ الأمل لا يزال موجوداً في وجه الله لتحقيق هذه الأمنية.
وبلغ عدد المفقودين من عائلة بكر قرابة 29 شخصاً من أصل حوالي 320 مهاجراً فلسطينياً، فيما بلغ عدد ركاب السفينة 500 من الساعين إلى الهجرة لأوروبا بحثاً عن مكان آمن أو فرصة عملٍ انعدمت في موطنهم الأصلي.
حالة بكر لست الوحيدة، فتشاركها أم فهد عصفور التي تظلّ جالسة في زاوية من غرفة فهد ابنها الأكبر تبكي طوال يومها منذ سنتين تصلّي له يومياً وتدعو الله مراراً، ليس هذا فقط، بل في مشهد يدمي القلب من قسوته، صنعت لفلذة كبدها مجسماً تخاطبه يومياً.
ورجت الطّاعنة في السّن بدموعها رئيس السّلطة الوطنية، على أساس أنّه الراعي للشعب الفلسطينيّ، بأن يقول الحقيقة حتى لو كانت مُرّة.
من جهته، شدّد المتحدث باسم أهالي المفقودين كامل المصري في مقابلة مع «السفير» على أنّ القضيّة أخذت أكثر من مجراها دون أيّ خبرٍ رسمي، مناشداً العالم برحمة أهالي المفقودين والإدلاء بالمعلومات التي يمتلكونها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ المرصد الأورو – متوسطي لحقوق الإنسان، جزم وفق الإفادات المختلفة وملابسات الحادث أنّ معظم المهاجرين بالقوارب فقدوا حياتهم داخل البحر.
بدوره، حمّل عضو المجلس الثوري في حركة «فتح» محمد النّحال السّفراء الفلسطينيين في أوروبا المسؤوليّة الكاملة عن عدم التّصريح بأيّ معلومة عن مصير المفقودين، مشيراً إلى أنّ الاتصال بينهم لا يزال قائماً، ولكن هناك بعض التّقصير يأتي من البعثات الفلسطينيّة.
وكيل وزارة الخارجيّة تيسير جرادات أجرى سلسلة زيارات للدول التي كان من المقرّر الوصول إليها، تحدّث أنّه التقى سفراء فلسطين هناك وجلس مع نظرائه للحديث في ملف المفقودين، لكن لا معلومات جديدة.
وأعدّ جرادات تقريراً مفصلاً للرئيس حول زيارته، كشف لـ«السفير» جزءاً ممّا جاء فيه «عن حديث خفر السواحل الإيطاليّة والمالطيّة واليونانيّة، وشرح آلية غرق السّفينة، والحديث عن الموجودين الأمنيّين على متنها ومصيرهم المجهول».
وبحسبِ الوكيل، فإنّه التقى مع النّاجين من السّفينة وهم ثلاثة أشخاص في اليونان، وثلاثة في إيطاليا، واثنان في مالطا، وقدّم لهم المساعدة، بعدما استمع لشهادتهم عن حادثة الغرق.