الرئيسية , االصور , بين مؤتمري”اهل السنة”في الشيشان والكويت اين مؤتمر الوحدة الاسلامية

بين مؤتمري”اهل السنة”في الشيشان والكويت اين مؤتمر الوحدة الاسلامية

بقلم: فضيلة الشيخ هاشم منقارة*

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

في البيان الختامي للمؤتمر الذي عقد السبت في الكويت بحضور علماء من 25 دولة عربية وإسلامية  بعنوان “المفهوم الصحيح لأهل السنة والجماعة وأثره في الوقاية من التطرف والغلو” عرف العلماء المشاركون أهل السنة بأنهم “هم المتبعون للكتاب والسنة، وأن رؤوسهم هم الصحابة ثم التابعون، ثم تابعو التابعين، ومن جاء بعدهم وسار على منهجهم”.

وأكدوا أن منهج أهل السنة والجماعة واحد لا تعدد فيه، وأنه حق لا يشوبه باطل، ووسط لا غلو فيه ولا جفاء. كما قالوا إن الخلاف في المسائل الاجتهادية بين علماء المذاهب الأربعة لا يوجب الخروج عن السنة، ولا يسوغ الافتراق أو تسمية المختلفين طوائف وفرقا، أو وصفهم بالابتداع.

وفي ما يبدو ان المؤتمر جاء ردا على مؤتمر عقد في غروزني أواخر أغسطس/آب الماضي، وقَصَر مؤتمر غروزني جماعة السنة على الأشاعرة والماتريدية والصوفية، وأخرج منهم الوهابية والسلفية والإخوان المسلمين.

وتضمن البيان الختامي لمؤتمر الكويت التوصيات 14 التالية:

أولا: أن أهل السنة والجماعة هم المتبعون للكتاب والسنة، المنتمون إليهما، والمسلّمون لما فيهما، والمقدمون لهما على كل ما خالفهما، وهم المجتمعون على هذا الأصل القويم، ومن هنا سُموا أهل السنة والجماعة، ومن ألقابهم: أهل الحديث، وأهل الأثر، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، والأمة الوسط، وأهل الحق، والسلفيون، ورؤوسهم: الصحابة، ثم التابعون كسعيد بن المسيب وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري والزهري، ثم أتباع التابعين كأبي حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي والليث بن سعد، ومن جاء بعدهم وسار على منهجهم كالإمام الشافعي وأحمد والبخاري وابن خزيمة؛ فهو مذهب عتيق لم تكن نشأته على يد الإمام أحمد ولا ابن تيمية ولا محمد بن عبد الوهاب، بل هو مذهب الصحابة والتابعين وأتباعهم، لكن هؤلاء ممن أحياه وأظهره ونشره، لا سيما بعد ظهور البدع والمحدثات.
وهو الدين الذي تكفل الله بحفظه، ودعا الناس إليه، وجعله ظاهرا على ما سواه، وأوجب لأهله كرامته ومغفرته، كما قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 100] وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة قوله: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرُّهم مَن خَذَلهم حتى يأتيَ أمْرُ الله وهم كذلك). وفي هذا الموضع نذكر بما قاله الإمام الشافعي رحمه الله ورضي عنه في شأن السلف الصالح ( المدخل إلى السنن 1/109) : ( هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل وكلِ سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا) وبما قاله الحافظ أبو القاسم التيمي رحمه الله في كتابه ( الحجة في بيان المحجة 2 / 410) : ( وأهل السنة والجماعة لم تتعد الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح، ولم تتبع المتشابه وتأويله ابتغاء الفتنة، وإنما اتبعوا الصحابة والتابعين وما أجمع المسلمون عليه بعدهم قولاً وفعلاً ).ثانيا: منهج أهل السنة والجماعة واحد لا تعددية فيه، وشعار وحقيقة وبرهان، وحق لا يشوبه باطل، ووسط لا غلو فيه ولا جفاء، أهله المستمسكون به هم أعلم الناس بالحق، وأرحمهم بالخلق، وأعدلهم في الحكم، وأهداهم سبيلا، لا ينتسبون إلى شخص إلا لنبيهم صلى الله عليه وسلم، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يعارضون سنته برأي أو قياس أو عقل أو نظرية فلسفية أو قاعدة منطقية أو ذوق أو وجد أو قول إمام أو اجتهاد مجتهد؛ لأنهم يقطعون أن الحق فيما قاله وفعله وأقره عليه الصلاة والسلام، وأنه عليه الصلاة والسلام لا يعتريه نقص أو خطأ في بلاغه، بل هو معصوم في ذلك، صلوات الله وسلامه عليه، ومن سواه فقوله وعمله معروضان على الكتاب والسنة فما وافق الحق قُبل، وإلا ردّ عليه كائنا من كان، كما لا ينتسبون إلى طائفة أو حزب أو تيار أو جماعة، مكتفين بالانتساب إلى الإسلام والسنة، مقتصرين على الألقاب الشرعية.ثالثا: يقوم مذهب أهل السنة والجماعة على إخلاص العبودية لله وحده لا شريك له، والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلا يجعلون بينهم وبين الله واسطة في عبادته لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا وليا صالحا؛ لأن العبودية محض حق الله، مع إجلال الله وتعظيمه ووصفه بصفات الكمال، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، ولا يجعلون واسطة بينهم وبين الله في البلاغ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا لا يتعبدون الله بعبادة إلا وعليها شاهد من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

رابعا: أئمة المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، من مجتهدي الأمة، وقصدهم ـ فيما نحسب ـ الوصول إلى الحق فيما طرقوه من المسائل، وما أصّلوه من الأصول، والواجب على الأمة: إجلالهم وحفظ مكانتهم، ومعرفة فضلهم وسابقتهم، مع اعتقاد أنهم يصيبون ويخطئون، وهم في كلا الحالين مأجورون، وعلى الناظر في أقوالهم أن يأخذ منها ما أيّده الدليل، مع الدعاء للجميع بالرحمة والمغفرة، والانتسابُ لهم على جهة التعريف لا محظور فيه، ولم يزل علماء الأمة على هذا.

خامسا: الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، كما أنهم أئمة في الفقه ـ كذلك ـ هم أئمة في التوحيد فيما ثبت عنهم في ذلك مما نقله عنهم كبار أصحابهم بالأسانيد الصحيحة، كالذي نقله أبو جعفر الطحاوي في بيان عقيدة أبي حنيفة، وابن أبي زيد القيرواني في عقيدة مالك، والربيع بن سليمان ويونس بن عبد الأعلى في عقيدة الشافعي، وأبو بكر الخلال في عقيدة أحمد، وهم أئمة في السلوك والتزكية أيضا، وقصرُ اتباعهم على الفقه دون العقيدة والسلوك، ومتابعة من جاء بعدهم فيها ممن لم يبلغ شأوهم عين الخطأ، وسبب من أسباب الضلال والانحراف، وهو تجهيل للأئمة أو تضليل وإزراء، يَربأ بهم أهل العلم عن ذلك.سادسا: المسائل الاجتهادية (وهي التي لا نص فيها ولا إجماع) يجب أن تتسع لها الصدور، ولا يجوز أن تجعل سببا للذم أو الفرقة أو الاختلاف أو إيغار الصدور، فإن الاختلاف في هذه المسائل قائم بين العلماء منذ الصدر الأول؛ فلم يفرق ذلك بينهم، بل جعلوه من الرحمة بالأمة والسعة عليها، لكن لا يمنع ذلك من الحوار والنقد اللذين يقصد بهما الوصول إلى الحق.
والخلاف في هذه المسائل لا يوجب الخروج عن السنة، ولا يُسوّغ الافتراق، ولا تسمية المختلفين طوائف وفرقا، ولا وصفهم بالابتداع، كما لا يُسوّغ نسبة التعددية إلى مذهب أهل السنة والجماعة، ولا تقسيم السلفية إلى تيارات، كما يصنعه اليوم الجاهلون والشانئون والمبتغون بالأمّة العنت.سابعا: ما وقع فيه بعض العلماء المجتهدين من خطأ جانب فيه سبيل أهل السنة والجماعة لا تجوز متابعته عليه، ولا الاحتجاج به فيه، بل يجب ردّه عليه، وفي الوقت نفسه لا يجوز إهدار حسناته، ولا استباحة عرضه، بل يحفظ له مقامه، ويعرف له قدره.

ثامنا: جَعْلُ مذهب السلف مكوّنا من مكوّنات أهل السنة والجماعة خطأ محض، بل هم أهل السنة والجماعة، وما عداهم من الفرق ممن خالفهم في الأصول أو تدثّر بشعارٍ غير شعارهم فرق ذمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كمن قدم العقل البشري على الوحي: الكتاب والسنة، وجعله حاكما عليهما، أو ردّ أخبار الآحاد في مسائل الاعتقاد، أو عطّل الله عن صفاته الواردة في الكتاب والسنة وحرَّف معانيها فصرفها عن حقائقها، أو فوضها، بدعوى التنزيه عن مشابهة الخلق، أو نفى استواء الله على عرشه، أو علوه على خلقه، أو غلا في الوعيد، وكفّر بالذنب، وخرج على جماعة المسلمين وأئمتهم، واستحل الدماء المعصومة، أو زعم أن الشريعة تُتلقى من غير طريقه صلى الله عليه وسلم، من الكشوفات والفيوضات والمنامات ومشايخ الطرق، أوتعبد الله بالأوراد المبتدعة والرقص والسماع والغناء والتواجد، أوقسم الدين إلى حقيقة وشريعة، وباطن وظاهر، أو زعم أن الولاية أعلى منزلة من النبوة، أو أنها تكتسب بالرياضات، لا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذُكرت تفاصيل ذلك في البحوث وأوراق العمل المقدمة للمؤتمر.

تاسعا: المشاركون في المؤتمر إذ يسألون الله تعالى جمع كلمة المسلمين على الحق والهدى فإنهم يدعون جميع الطوائف التي انفردت بأصل أو اسم أو شعار إلى التبصر في نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف، ومراجعة النفس، والتجرد للحق، وتذكر المقام بين يدي الله جل جلاله في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؛ حتى يعودوا إلى السنة المحضة، كما رجع الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله عن عقيدته الكلامية إلى عقيدة السلف أهل الحديث، كما في كتابيه ( الإبانة) و (مقالات الإسلاميين).

عاشرا: يُحذر المشاركون من الغلو والتطرف بجميع صوره وأشكاله وتنظيماته، ويستنكرون ما تمارسه جماعات الغلو المعاصر من تبديع المسلمين وتكفيرهم بغير حق، واستباحة الحرمات والدماء المعصومة في البلاد الإسلامية وغيرها، والخروج على ولاة أمور المسلمين بالثورات والمظاهرات، باسم الجهاد في سبيل الله، ويدعوا المشاركون شباب المسلمين على وجه الخصوص إلى اجتناب هذه الأفكار والتنظيمات والحزبيات، وعدم الانسياق وراء هذه الدعوات المضللة، والاستقامة على منهج أهل السنة والجماعة؛ إذ إنهم يعتقدون أن التكفير والتبديع والتفسيق أحكام شرعية لا يجوز الكلام فيها إلا عن علم وبصيرة، ولا يجوز إطلاقها على أحد إلا من عالم بالدليل والواقعة على وجهها، مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع، ويحرمون الخروج على الحاكم المسلم ولو كان ظالما، طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، كما يؤكد المشاركون على بطلان نسبة جماعات الغلو والتطرف إلى رموز الدعوات الإصلاحية، ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله، وهما براء من ذلك كما تشهد به مؤلفاتهما وواقعهما وما نقله أهل العلم عنهما.

حادي عشر: إن تقسيم السلفية إلى تيارات، ومنها: السلفية الجهادية، والسلفية التكفيرية، محض افتراء، لا يقوله إلا جاهل بمنهج السلف أو صاحب هوى؛ فإن منهج السلف الصالح شيء واحد غير متعدد، هو مذهب أهل السنة والجماعة لا غير، فمن قال غير ذلك فقد افترى وبغى وظلم، والجماعات المتطرفة لا يصح نسبتها إلى السلفية وإن انتسبت إليها، وإنما الحقيق بهذه الجماعات وصف الخوارج؛ لأن الاعتبار بالمضمون والحقيقة لا بالادعاء.

ثاني عشر: يدعو المشاركون ولاة أمور المسلمين إلى تعزيز منهج أهل السنة والجماعة، ونشره، وحمايته والدفاع عنه، فإنه المنهج الذي فيه حياة القلب، وتعظيم الرب، وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، والقيام بالحقوق، وهو الكفيل بجمع كلمة المسلمين وائتلاف قلوبهم وتوادهم وتراحمهم، وتحصيل مصالح الدين والدنيا، والفوز برضوان الله وجنته.

ثالث عشر: يندد المشاركون في المؤتمر بما تنشره بعض وسائل الإعلام العربية والغربية من نسبة الغلو والتطرف إلى السلفية أهل السنة والجماعة، واتهامهم به مع براءتهم من ذلك، كما تشهد به كتبهم وجهودهم ومواقفهم.

رابع عشر: يدين المشاركون بشدة الجريمة النكراء التي قام بها الحوثيون من استهداف بيت الله الحرام، منتهكين حرمة البيت، مستهينين بالمسلمين ودمائهم وحرماتهم، كما يثمنون الجهود التي يقوم بها التحالف الإسلامي من نصرة المسلمين، وصد العدوان عنهم، ومؤازرة قضاياهم؛ لحفظ بيضة الإسلام. سائلين الله تعالى أن يكلل جهودهم بالتوفيق، وأن يحفظ بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، ويجمعهم على الحق والهدى، إنه سميع قريب مجيب.

يذكر أن المؤتمر عقد يوم السبت الثاني عشر من شهر صفر لعام 1438هـ الموافق 12نوفمبر 2016م  بدعوة من فريق الربانيين التطوعي ومؤسسة رافد للبحوث والدراسات،.

سبق وتناولنا توصيات مؤتمر “غروزني” ببنوده (11) تحت عنوان : مؤتمر اهل السنة والجماعة ما له وما عليه وعرضنا وجهات النظر المتعددة بأمانة ودقة ودعونا كما هي عادتنا دائماً الى كلمة سواء بين الجميع تؤدي بنا الى وحدة اسلامية مقاومة وتبعدنا عن هول الخلافات والشرزمة والتقوقع.

في ديباجة المدافعين عن مؤتمر الكويت انه اراد القول التأكيد على وحدة اهل السنة والجماعة وإن أهل السنة والجماعة هم المتبعون لكتاب الله  وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، المنتمون إليهما، والمسلّمون بما فيهما، والمقدمون لهما على كل ما خالفهما، وهم المجتمعون على هذا الأصل القويم، هذا ما أكد عليه المؤتمر الدولي المفهوم الصحيح لأهل السنة والجماعة وأثره في الوقاية من الغلو والتطرف الذي اختتم اعماله في الكويت أمس السبت.

وأن الهدف من المؤتمر كان تبصير الأمة بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما كان عليه أئمة العلم والهدى، ومنهم: الأئمة الأربعة، رحمهم الله تعالى، والذب عن منهج أهل السنة والجماعة وتبرئته من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، والتأكيد على أن معرفة هذا المنهج والاستمساك به هو السبيل الأوحد لجمع الأمة وصلاحها؛ إذ إنه لن يصلح آخر الأمة إلا بما صلح به أولها.

وان السبيل الأمثل لجمع الأمة هو النصيحة والتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما يرمي إليه المؤتمر.

وللأمانة العلمية والمسؤولية الشرعية نعيد عرض ديباجة وبنود مؤتمر الشيشان وديباجة القييمين عليه بالتوازي للمقارنة ان كلا المؤتمرين له ما له وعليه ما عليه وإن كا من المبكر عرض القراءات النقدية لمؤتمر الكويت والتي تتطلب وقتاً ودراسة عميقة وموضوعية نعتقد انها لن تتأخر كما حدث من قراءات لمؤتمر الشيشان عندما قلنا انها اشعلت العديد من الردود..

ففي مساء الخميس الحادي والعشرين من ذي القعدة، سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وألف موافق الخامس والعشرين من أغسطس سنة ست عشرة وألفين من الميلاد، وفي ظل محاولات اختطاف لقب (أهل السنة والجماعة) الشريف من قبل طوائف من الخوارج والمارقين الذين تُسْتَغل ممارساتهم الخاطئة لتشويه صورة الدين الإسلامي، انعقد المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين إحياء لذكرى الشيخ الشهيد الرئيس أحمد حاج قديروف رحمه الله تحت عنوان: (من هم أهل السنة والجماعة؟! بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادا وفقها وسلوكاً، وأثر الانحراف عنه على الواقع)، برعاية كريمة من فخامة الرئيس رمضان أحمد قديروف حفظه الله، وحضور رفيع لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، والمفتين، وأكثر من مئتي عالم من علماء المسلمين، من أنحاء العالم وقد خَلُص المؤتمر إلى الآتي:

* أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علماً وأخلاقاً وتزكيةً على طريقة سيد الطائفة الإمام الجنيد ومن سار على نهجه من أئمة الهدى، وهو المنهج الذي يحترم دوائر العلوم الخادمة للوحي، ويكشف بحق عن معالم هذا الدين ومقاصده في حفظ الأنفس والعقول، وحفظ الدين من تحريفه والعبث به، وحفظ الأموال والأعراض، وحفظ منظومة الأخلاق الرفيعة.
* للقرآن الكريم حرم يحيط به من العلوم الخادمة له، المساعدة على استنباط معانيه، وإدراك مقاصده وغاياته الموصلة إلى الله، واستخراج العلوم الـمُودعة فيه، وتحويل آياته إلى حياة وحضارة، وآداب وفنون وأخلاق ورحمة وراحة، وإيمان وعمران، وإشاعة السلم والأمان في العالم، حتى ترى الشعوب والثقافات والحضارات المختلفة عيانا أن هذا الدين رحمة للعالمين، وسعادة في الدنيا والآخرة.
* منهج أهل السنة والجماعة هو أجمعُ وأدق مناهج أهل الإسلام وأتقنها، وأشدها إحكاما، وأكثرها عناية بانتقاء الكتب العلمية ومنهجيات التدريس التي تعبر تعبيرا صحيحاً عن طريقة العقل المسلم في إدراك الشرع الشريف، وإدراك الواقع بكل تعقيده، وحسن الربط بينهما.
* قامت تلك المدارس العلمية المعبرة عن أهل السنة والجماعة عبر قرون كثيرة بتخريج مئات الألوف من العلماء والخريجين، الذين انتشروا في آفاق الدنيا من سيبيريا إلى نيجيريا، ومن طنجة إلى جاكرتا، وتولوا الرتب والمناصب المختلفة، مع الإفتاء والقضاء والتدريس والخطابة، فاستفاض بهم الأمان في المجتمعات، وأطفئوا نيران الفتن والحروب، واستقرت بهم الأوطان، وانتشر بهم العلم والوعي الصحيح.
* ظل أهل السنة والجماعة عبر التاريخ يرصدون كل فكر منحرف، ويرصدون مقالات الفرق ومفاهيمها، ويقيمون لها موازين العلم والنقد والتفنيد، ويظهرون الإقدام والحزم في مواجهة مظاهر الانحراف، ويستخدمون أدوات العلوم الرصينة في التمحيص والتصويب، فكلما نشط منهجهم العلمي انحسرت أمواج التطرف، واستقام الأمر للأمة المحمدية لتتفرغ وتنصرف لصناعة الحضارة، فوجد العباقرة من علماء الإسلام، الذين أسهموا في الجبر والمقابلة والحساب والمعادلات المثلثية، وعلوم الهندسة التحليلية، والكسور الاعتيادية واللوغاريثمات، والوزن النوعي، وطب وجراحة العيون، والطب النفسي، وعلوم الأورام، والأوبئة، والأجنة والعقاقير، وموسوعات الصيدلة، وعلوم الحيوان والنبات، والجاذبية الأرضية، وعلوم النجوم والبيئة، وعلوم الصوتيات والبصريات، وغير ذلك من العلوم، وتلك ثمرات منهج أهل السنة والجماعة التي لا تنكر.
* تكرر عبر التاريخ هبوب أمواج من الفكر المضطرب والمنحرف، الذي يدعي الانتساب إلى الوحي الشريف، ويتمرد على المنهج العلمي الصحيح ويروم تدميره، ويزعزع أمن الناس واستقرارهم، وكانت أولى تلك الموجات الضالة الضارة، الخوارج قديما، وصولا إلى خوارج العصر الحديث من أدعياء السلفية التكفيرية، وداعش ومن سار على نهجهم من التيارات المتطرفة التي يعتبر القاسم المشترك بينها هو التحريف الغالي والانتحال المبطل، والتأويل الجاهل للدين، مما ولَّدَ عشرات من المفاهيم المضطربة المغلوطة، والتأويلات الباطلة التي تناسل منها التكفير والتدمير، وإراقة الدماء والتخريب، وتشويه اسم الإسلام، والتسبب في محاربته والعدوان عليه، وهو ما استوجب انبراء العدول من حملة هذا الدين الحنيف لتبرئته من كل ذلك مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين).
* يأتي هذا المؤتمر ليكون بإذن الله نقطة تحول مباركة لتصويب الانحراف الحاد والخطير الذي طال مفهوم “أهل السنة والجماعة” إثر محاولات اختطاف المتطرفين لهذا اللقب الشريف وقصرِه على أنفسهم، وإخراج أهله منه، وذلك من خلال تفعيل المنهج العلمي الرصين الأصيل الذي تبنته مدارسنا الكبرى التي تمثل صِمَام الأمان في تفكيك أطروحات التكفير والتطرف، ومن خلال إرسال رسائل الأمان والرحمة والسلام للعالمين، حتى ترجع بإذن الله بلداننا كلها منابر للنور، ومنابع للهداية.
وقد خلص المؤتمر أيضا إلى عدة توصيات:
١- إنشاء قناة على مستوى روسيا توصل صورة الإسلام للمواطنين وتحارب التطرّف والإرهاب.
٢- عودة مدارس العلم الكبرى للوعي بذاتها وتاريخها ومناهج تدريسها الأصيلة والعريقة، والرجوع إلى تدريس دوائر العلم المتكاملة، التي تصنع العلماء القادرين على الهداية، وعلى تفنيد مظاهر الانحراف الفكري، وعلى إشاعة العلم والأمان، وحفظ الأوطان.
٣- العناية والاهتمام الضروريان بقنوات التواصل الاجتماعي، وتخصيص ما يلزم من الطاقات والخبرات للحضور في تلك الوسائط حضوراً قويا فاعلا.
٤- رفع مستوى الاهتمام والعناية بتدريس كافة العلوم الإسلامية، وخاصة علمي أصول الفقه والكلام لضبط النظر وتصحيح الفكر وتفنيد مقولات التكفير والإلحاد.
٥- أن يتم إنشاء مركز علمي بجمهورية الشيشان العتيدة لرصد ودراسة الفرق المعاصرة ومفاهيمها، وتشكيل قاعدة بيانات موثقة تساعد على التفنيد والنقد العلمي للفكر المتطرف ومقولاته، ويقترح المؤتمرون أن يحمل هذا المركز اسم (تبصير).
6- ضرورة رفع مستىوى التعاون بين المؤسسات العلمية العريقة كالأزهر الشريف، والقرويين والزيتونة، ومراكز العلم والبحث فيما بينها ومع المؤسسات الدينية والعلمية في روسيا الاتحادية.
7- ضرورة افتتاح (منصات تعليمية) للتعليم عن بعد لإشاعة العلم الآمن، حيثُ إنها تخدم الراغبين في العلم والمعرفة ممن يمنعهم عملهم من الانتظام في التعليم النظامي.
8- توجيه النصح للحكومات بضرورة دعم المؤسسات الدينية والمحاضن القائمة على المنهج الوسطي المعتدل، والتحذير من خطر ما تقوم به بعض الحكومات من اللعب على سياسة الموازنات وضرب الخطاب الديني ببعضه، وأنه لا ينتج إلا مزيدا من القلق في المجتمع، وتفتيتاً لصفه.
9- يوصي المشاركون مؤسسات أهل السنة الكبرى – الأزهر ونحوه – بتقديم المنح الدراسية للراغبين في دراسة العلوم الشرعية من المسلمين في روسيا.
10- يوصي المشاركون أن ينعقد هذا المؤتمر الهام بشكل دوري، لخدمة هذه الأهداف الجليلة، ومواكبة ما يستجد من تحديات ومواجهتها.
11 – تكوين لجنة لمتابعة تنفيذ النتائج والتوصيات التي تضمنها هذا البيان.
وقد تقدم المشاركون لفخامة الرئيس رمضان أحمد قديروف بالشكر الجزيل على جهوده المباركة في خدمة القرآن الكريم والسنة المطهرة، ودعوا له بالتوفيق لمواصلة مسيرة والده الشهيد الشيخ الحاج أحمد قديروف في خدمة الإسلام والإنسانية، والدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، رافعين أكفَّ الضراعة للباري عز وجل أن يتغمد فقيد الإسلام بالرحمة والرضوان ويكرم نزله في الجنان، وأن يحفظ الشيشان ويديم عليها الأمن والأمان والتقدم والازدهار.
كما توجه المشاركون بالشكر لمكتب ديوان الرئاسة لحسن تعاونه مع المنظمين، وللصندوق الإقليمي الخيري باسم بطل روسيا الشيخ الشهيد أحمد قديروف، والمؤسسة الخيرية لدعم الثقافة الإسلامية والعلم والتعليم، ومؤسسة طابة وسائر الإخوة الذين شاركوا في الترتيب والتنظيم لهذا المؤتمر.
وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

صدر في الشيشان، غروزني، 24 ذو القعدة 1437هـ،27 أغسطس 2016

رأي المعارضين

أولًا: انعقَد المؤتمرُ في مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشِّيشان كدولة تابعة في الموقف السياسي لروسيا الاتحاديَّة.،التي يتهمها البعض باستهداف المسلمين في اكثر من مكان.

ثانيًا: راعِي المؤتمرِ هو رَئيسُ جمهوريَّة الشِّيشان رمضان قاديروف، المعروفُ بولائِه التامِّ للرَّئيس الرُّوسيِّ فلاديمير بوتين،والذي يأخذ عليع البعض سلوكيات معينة.

ثالثاً: صُدِّرَ بيانُ المؤتمر بهذه الجُملة: (أهلُ السُّنَّة والجَماعةِ هُم الأشاعرةُ والماتريديَّةُ في الاعتِقادِ، وأهلُ المذاهِبِ الأَربعةِ في الفِقهِ، وأهلُ التصوُّفِ الصافي عِلمًا وأخلاقًا وتزكيةً)، وهم بهذا على راي المعارضين قد خالفوا السُّنَّةَ وفرَّقوا الجماعةَ، وأخْرَجوا أئمَّةَ الإسلامِ -ممَّن عاشُوا قبل الأشْعريِّ والماتريديِّ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ والبُخاريِّ ومُسلمٍ، وغيرِهم- مِن مُسمَّى أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ

رابعاً: ومن وجهة نظر سلفية عَرَّض المؤتمرُ بمَن سمَّاهم المتطرِّفين- وغالبًا ما يُشيرونَ بهذا إلى أصحابِ المَنهجِ السلفيِّ-  وبأنَّهم أصحابُ مَنهجٍ مُنحرِفٍ، وخَطيرٍ، ومُتطرِّفٍ، وأنَّهم اختطفوا لقبَ أهل السُّنَّةِ والجَماعةِ وقَصَروه على أنفُسِهم، وأنَّ مُؤتمرَهم هذا جاء كنُقطةِ تحوُّلٍ لاسترجاعِ هذا اللَّقب.

خامساً: أوَّل توصيةٍ في المؤتمر كانتْ عن: (إنشاء قناة تليفزيونيَّة على مُستوَى روسيا الاتحاديَّة؛ لتوصيلِ صورةِ الإسلامِ الصحيحةِ للمُواطنين، ومُحارَبةِ التطرُّفِ والإرهابِ)، وهذه تَوصيةٌ يعتبرها المعارضون سِياسيَّةٌ بامتياز لصالح روسيا.

سادساً: وممَّا يدلُّ على أنَّه مؤتمرٌ انتقائيٌّ برأي المعارضين، إقصائيٌّ أكثرُ منه عالِميًّا: ما جاء في التوصيةِ الثالثةِ في المؤتمرِ، وهو (ضرورة رفْع مُستوَى التعاوُنِ بين المؤسَّساتِ العِلميَّةِ العَريقةِ كالأزهرِ الشَّريفِ، والقرويين، والزيتونة، وحضرموت، ومراكز العِلم والبحثِ فيما بينها وبين المؤسَّساتِ الدِّينيَّة والعِلميَّة في رُوسيا الاتحاديَّة) مُستبعِدين بذلك مراكزَ العِلم الأخرى في العالَمِ الإسلاميِّ كلِّه.

سابعاً: تجاهُلُ المؤتمرِ عُلماءَ كثر في أنحاء العالَمِ كلِّه كان مقصودًا؛ فلو كان المؤتمرُ يَهدِفُ بالفِعلِ إلى تَوحيدِ الكلمةِ، ولَمِّ الشَّملِ، لَجَمَع عُلماءَ المسلمين بشَتَّى تَوجُّهاتِهم؛ ليَخرجوا ببيانٍ يَجمَعُ كلمتَهم- ولو فيما يتَّفقونَ عليه- ويُؤجِّلوا ما اختَلفوا فيه، خاصَّةً في مِثل هذا الوقتِ الذي تَكالَبَ فيه عليهم اعدائهم، لكنَّ همَّهم في إخراجِ السَّلفيِّين مِن دائرةِ أهلِ السُّنَّة والجماعةِ أكبرُ مِن هَمِّ تَوحيدِ صَفِّ المسلِمينَ ضِدَّ عَدُوِّهم!

المؤيدون

المؤيدون يرون ان هدف المؤتمر القاء الضؤ على المشكلات التي تحيط بالعالم الاسلامي في مسائل العقائد والافكار التي يتم استغلالها من قبل الدول والمنظمات المتطرفة في صياغة مناهجها التدميرية في المنطقة وان التكفير والتفجير يسيران على قدم وساق وفي المقابل فإن المؤسسات الدينية المعنية لم تدرك اللحظة الفارقة مما انتج زمناً فراغياً فارقاً في مسيرة التكفير وملاحقته من المختصين بنشر الدين الوسطي وصحيح العقائد

شيخ الازهر الدكتور احمد لطيب اكد، أن الأزهر يسعد بالمشاركة فى المؤتمر، وهو جَميل تسديه الشيشان إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بل إلى العالم كله شرقًا وغربًا، وتسهم به إسهامًا جادًّا في إطفاء الحرائق والحروب اللاإنسانية، التي تتخذ من أجساد العرب والمسلمين وأشلائهم، فئران تجاربَ دموية، وتشعلها أنظمة استعمارية جديدة، تقدِّم بين يدي نيرانها نظريات شيطانية مرعبة، بل إن خططهم الماكرة بدأت تَزْحَفُ على ثقافات الناس ومعتقداتهم ومقدَّراتِهم التاريخيَّة والحضاريَّة، وتُخْضِعُهَا لمعاييرِ ثقافة عالميةٍ واحدةٍ.

ولفت الطيب إلى أن مفهوم “أهل السُّنَّة والجماعة” الذي كان يدور عليه أمرُ الأمَّة الإسلامية قرونًا متطاولة – نازعته في الآونة الأخيرة دعاوى وأهواء، لَبِسَتْ عِمَامَتَهُ شكلًا، وخرجت على أصوله وقواعده وسماحته موضوعًا وعملًا، حتى صار مفهومًا مضطربًا، شديد الاضطراب عند عامة المسلمين، بل عند خاصتهم ممن يتصدرون الدعوة إلى الله، لا يكادُ يبِينُ بعضٌ من معالِمِه حتى تَنْبَهِم قوادِمه وخَوَافِيهِ، وحتى يُصبِحَ نَهْبًا تتخطَّفُه دعواتٌ ونِحَلٌ وأهواء، كلُّها ترفع لافتة مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، وتزعم أنها وحدَها المتحدث الرسمي باسمه.. وكانت النتيجة التي لا مفرَّ منها أنْ تمزق شمل المسلمين بتمزق هذا المفهوم وتشتُّتِه في أذهان عامتهم وخاصتهم، مِمَّن تصدَّروا أمر الدعوة والتعليم، حتى صار التشدُّد والتطرُّف والإرهاب وجرائم القتل وسَفك الدِّماء.

وحدة الأمة الإسلامية فريضة وضرورة

من جهتنا نقول في مؤتمر الكويت ما قلناه في مؤتمر الشيشان.

لقد جاء الإسلام ليكفكف نزوات الإيذاء والظلم والتسلط والإساءة إلى الغير ويقيم أركان المجتمع على الفضل، وحُسن التخلق والصفات النبيلة التي منها الصفح، والعفو عن الإساءة والأذى، والحلم وترك الغضب والانتصار للنفس..

وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على طلب الشارع لوحدة المسلمين، وبصيغ تؤكد على وجوبها ولزومها، وترتب العقوبة على التفريط في تحقيقها في الواقع.

قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة آل عمران: 103].

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.

وقد اتفقت كلمة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان على الأمر بلزوم الجماعة، فكلهم بلا استثناء كانوا من دعاة الوحدة والاجتماع على الحق، ولم يكونوا من دعاة الفرقة والاختلاف.
قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: (كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله)

وحدة الامة الاسلامية  بكل مذاهبها ،ضرورة ، مفهوم هذه العبارة هو أن لا قيام لمصالح المسلمين في الدين والدنيا إلا بوحدتهم واجتماع كلمتهم على الحق، وأصدق الأدلة والبراهين على ذلك ما ينتج عن الفرقة والاختلاف – ضد الوحدة والاجتماع – من المفاسد والأضرار في الدين والدنيا، وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى

فوحدة المسلمين ليست خيارا استراتيجيا يلجأ إليه المسلمون عند الحاجة أو الضرورة، بل هي أصل من أصول الدين الكلية، وقاعدة من قواعده العظمى، والتفريط فيها معصية توجب غضب الله وعذابه في الدين والآخرة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} [سورة الأحزاب: 39].

والله المستعان، فقد وقعت الأمة فيما حذرها منه النبي صلى الله لما اختلفوا بينها فاختلفت قلوبهم، فأصبحت كل طائفة تؤدي شعائر الدين من صلاة صيام وحج ونحوها بطريقة مختلفة تماما، كل طائفة تتعصب لمذهبها وفتاوى أئمتها وعلمائها ولا تقبل الرد إلى الله ورسوله عند الاختلاف في شيء من أمور الدين.

وترى كل بلد من بلاد المسلمين يطبق من شرع الله – إن طبق- وفق أهواء ساستها، ولا تراعي في ذلك مصلحة الأمة، فتجد بعض بلاد المسلمين في عهد وصلح مع أعداء الأمة وتطبع العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، في الوقت الذي يتخذ من جاره المسلم موقفا مغايرا تماما.

وكذلك أدى اختلاف مناهج الدعاة ومقاصدهم إلى اختلاف قلوبهم، فعادى بعضهم بعضا، وبدع بعضهم بعضا، وحذر بعضهم من بعض، فنزع الله البركة من أقوالهم وأفعالهم، فلم يعد يسمع لهم أحد، أو ينضم لجماعتهم أحد، فنفقت سوق المعاصي والبدع، وانتشر بين المسلمين دعاة الباطل ومروجي الخرافة.

من أعظم أضرار اختلاف المسلمين وتفرق كلمتهم الفشل وذهاب الريح، وقد ذكرهما الله تعالى في القرآن لخطورتهما، فقال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة الأنفال: 46].
والفشل وذهاب الريح تعبير بليغ عن نقص قوة المسلمين وقصورهم عن بلوغ مقاصدهم في تقوية جيوشهم وإرهاب أعدائهم، وكذالك ضعف دولتهم أو سقوطها في يد الغزاة والمحتلين.

ولا تعبير أدق في وصف واقع المسلمين الأليم من الفشل وذهاب الريح، ذلك بأنهم اختلفوا وتنازعوا ففشلوا في تقوية جبهتهم الداخلية وإعداد القوة اللازمة لحماية أنفسهم، فباع طوائف من المسلمين ذممهم للكفار، فوالوهم من دون المؤمنين، وظلم الرعاة رعاياهم فجوعوهم وضربوا ظهورهم وأهانوا كراماتهم، فكرهت الرعايا رعاتهم فخرجت فئام منهم عن الجماعة وشقوا عصى الطاعة.

فذهبت الريح وتلاشت القوة، فضاعت أجزاء عزيزة من أرض الإسلام، إما بالاحتلال كفلسطين أو بتمكن الكفار والمنافقين عليها كما في العديد من الدول العربية والاسلامية،كل هذه المصائب وجميع هذه الويلات لم تكن لتحصل إلا باختلاف المسلمين وتفرقهم.

ونحن نتكلم في العموم لا يمكن لاي مؤتمر اسلامي جاد ان تكون اعماله مبرراً لايقاظ الفتنة وان استحضار قضايا وعناوين من غياهب الجدل العقيم انهكت الامة وقسمتها فأدت الى ما ادت اليه من ذل وهوان.

هذه الطروحات مشبوهة بعناوينها وتفاصيلها وزمانها ومكانها وفي ما تؤدي اليه من غايات باتت معروفة للقاصي والداني.

الاجدى بالمؤتمرات تحت المسميات الاسلامية ان ترتقي في الشكل والمضمون لمستوى التحدي المفروض على الامة بوحدتها فتعمل على ما يوحد كل الطاقات الممكنة.

اين العدوان الاسرائيلي وألامريكي والروسي على الامة من تلك التوصيات نكرر دائماً ان داعش واخواتها اجرام وارهاب ولكننا نكرر دائماً ان اسرائيل ومن لف لفها في موسكو وواشنطن والتطرف والارهاب هما وجهان لعملة واحدة.

اين هي تلك المواقف من حق المقاومة في تصديها للاحتلال الصهيوني وظلمه؟

الوحدة الاسلامية لا تصد ابوابها امام احد و مراجعة بعض علماء الوهابية…(((هؤﻻء بعضهم يسمون انفسهم تجاوزا سلفيون دون المسلمين و مصطلح السلفيه هو مرحله زمنيه ﻻ حاله مذهبيه و على هذا أﻷمه بمذاهبها كافة و التي هي مستقاه من الكتاب و السنه هم سلفيون و لو إختلفوا في مناهجهم و طرق اجتهادتهم  ))) فمراجعه بعض علماء مدرسه الشيخ محمد عبد الوهاب  لمنهجهم المتشدد عودة الى الحق وليسوا هم اهل الحق وحدهم من دون الناس والاسلام يجمعنا على حقيقة ان لا اله الا الله بغض النظر عن انه مؤتمر لاهل السنة والجماعة نحن أمة ولسنا طائفة نحن من تتوحد الأمة عليهم ولسنا سبباً للفرقة والشرذمة.

ونحن نثني على الرأي القائل” عن مفهوم أهل السُّنة والجماعة، أن يخرج بتقرير يتسع فيه هذا اللقب ولا يضيق، وهو ان يُدخل فيه المعتدلين من كل المدارس التي تعظم الايمان والاسلام واهله بحيث يكون أهل السُّنة والجماعة هم في هذا الزمان: كل من عظم السُّنة والصحابة واهل البيت والسلف من معتدلي الأشعرية والماتردية والسلفية والصوفية ممن لا يكفر مخالفه، ولا يتديّن بسلبه المطلق لشيء من حقوق أخوته الإسلامية (حباً وتعاوناً ونصرة) بحجة التضليل أو التكفير”.

إن كلا المؤتمرين يؤكد حرصة على الوحدة ومحاربة الغلو والعنف والتطرف الا ان النتيجة تبدو مختلفة تماماً وفي هذا السياق نقول اذا كانت مثل هذة المؤتمرات تتصف بردود ألإنفعال لا ألأفعال فتلك مشكلة تعمق الانقسام السائد ثانياً هل كان الاقصاء متبادل في المؤتمرين بحيث استثنى مؤتمر غروزني جماعة مؤتمر الكويت والعكس صحيح؟

ثالثاً إن اسقاط الاحداث السياسية الظرفية على اعمال المؤتمرين غير موفقة لا سيما تجاه الوضع اليمني الاشكالي بإمتياز.

ومع هذا الكم الهائل من التوصيات بالمؤتمرين والتي بلغت 25 بنداً نستحضر الحديث النبوي الشريف القائل( قل آمنت بالله ، ثم استقم).

إن اية وحدة مذهبية لا يمكن ان تقوم على حساب الوحدة الاسلامية الكبرى إن ما تذهب اليه مثل هذه المؤتمرات مقبولة بشرط ان تكون بمثابة ترتيب البيت الداخلي مقدمة لترتيب البيت الاسلامي الجامع والشامل.

وفي عمق المسالة لأن اكد كلا المؤتمرين حرصهما على الوحدة فإن الدعوة لمؤتمر اسلامي جامع لا يستثنى منه احد تصبح ضرورة مطلقة ولأن كرر المؤتمرين ايضاً محاربتهما التطرف والغلو والارهاب فإن العالم الاسلامي يتهدده خطرين داهمين هما الصهيونية والارهاب مع هذا الواقع اليس من الضرورة صياغة استراتيجية اسلامية مقاومة موحدة لمحاربة ما اتفق على توصيفه بالخطر الداهم بما يستلزم من خطوات عملية في  هذا الاتجاه تبدأ بوضع الحلول المناسبة لما يجري من نزاع داخلي في اكثر من بلد عربي واسلامي.

رغم ذلك وبواقعية ومسؤولية نؤكد ان الإيغال في النقد يؤدي الى ضياع الفرص البديلة ومناسبة هذا القول ان كلا المؤتمرين له ما له وعليه ما عليه فكما تضمنت بعض البنود قواسم مشتركة يمكن البناء عليها من اجل السعي لوحدة اسلامية كبرى تكون بالتأكيد على مسلمات الأمة فإنه يمكن تخطي الاشكاليات التي برزت ببعض البنود الاقصائية المتبادلة إذا ما صدقت النوايا بعيداً عن قوة اللحظة الراهنة وردة الفعل المتسرعة.

وحتى لا نقع في ما نود النهي عنه فإن دعوتنا للوحدة الاسلامية اكيدة وحاسمة لكنها تستلزم الحوار الرصين بشروطه الموضوعية دون اقصاء او تهميش لأحد…ولا بد ان يستوفي شروطه في الشكل والمضمون وأنه لا مشكلة لدينا مع المصطلحات والتسميات إنما في ما تؤدي اليه.

وعليه فإنه لا افراط ولا تفريط في الأمر سواء من قبل من يؤيد او يعارض ومسؤولية الدعوة الى الوحدة تقع على عاتق الجميع دون استثناء،وبالتالي فإن النجاح والفشل لأي مؤتمر إنما هو امر نسبي وليس بالشئ المطلق ولذلك فإننا نحي كل جهد وحدوي مخلص سواء كان تحت تسمية مؤيد او معارض عندما يكون القصد خالصاً لوجه الله تعالى.

الخلاصة يحق لنا ان نسأل بين مؤتمري”اهل السنة”في الشيشان والكويت اين مؤتمر الوحدة الاسلامية الكبرى الذي يجمع ولا يفرق؟.

قال تعالى : (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )

*“رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الإسلامي ، عضو جبهة العمل الإسلامي واتحاد علماء بلاد الشام”

%d8%a3%d9%8a%d9%86-%d9%85%d8%a4%d8%aa%d9%85%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ad%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9

شارك هذا الموضوع:

شاهد أيضاً

“التوحيد مجلس القيادة”فرض الضرائب والتهرب من إقرار السلسلة يسيئ إلى هيبة الدولة وكرامة المواطن

دعت حركة التوحيد الإسلامي مجلس القيادة الحكومة والمجلس النيابي إلى الإستماع لصرخة الشعب المحقة بخصوص …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *