عودةٌ الى ما قبل التاسع عشر من تموز 2012 في حلب، وسوريا. فجغرافيا خريطة السيطرة في الميادين السورية، عادت الى ما كانت عليه تقريباً في سوريا المفيدة، خلال الاشهر الاولى لعسكرة الهجوم على سوريا في صيف 2012. والأرجح أن سيطرة الجيش السوري في عمليته الحلبية، على الجزء الشمالي من شرق المدينة الذي تتحصن فيه «جبهة النصرة»، ستطرد المسلحين الى الأرياف مجدداً، ومن حيث أتوا. ويعد ذلك نهاية حقيقية لمعارك المدن الكبرى في سوريا، ودفع المسلحين نحو الأطراف الريفية، لا سيما في ادلب، والتحضير فيها لمعارك أقل كلفة.
وكان يمكن للانتصار الحلبي أن يغلق الجزء الأكبر من الأزمة السورية، ويحوّل دمشق مجدداً ونهائياً الى مركز القرار، ويمنح الحل السياسي قاعدةً داخلية قوية، لولا دخول اللاعبين الإقليميين والدوليين مباشرة الى الارض السورية. فمع اتساع الغزو التركي للشمال السوري، وتحول الشرق السوري الى محور تحالف كردي – أميركي ومشروع فدرالي، وانتشار أربع قواعد أميركية على أطرافه، كان من الممكن أن تؤدي استعادة حلب إلى بداية العد التنازلي فوراً، للخروج من الأزمة في سوريا. ومن دون شك، أصيبت المعارضة السورية المسلحة والمجموعات السلفية، والقوى الإقليمية، بواحدة من أكبر الهزائم التي تعرضت لها، منذ أن بدأت الحرب على سوريا. ولكن ذلك يعني قرب انتقال الجيش السوري الى مواجهة مكشوفة، وأكثر وضوحاً مع الأتراك، خصوصاً حول الباب. والأرجح أن زيارة وزير الخارجية التركية مولود جاويش اوغلو، ورئيس الاستخبارات حقان فيدان لطهران، ولقاءهما الرئيس حسن روحاني، والوزير محمد جواد ظريف، يدخل في نطاق الاستعداد لمرحلة ما بعد حلب، وإعادة تجديد التفاهم الذي نقضه الأتراك مع الايرانيين والروس، حول خريطة انتشارهم في الشمال السوري، وتنظيم هذا الانتشار، علماً أن الأتراك لم يحترموا أي اتفاق بهذا الشأن، فيما لا يزال الايرانيون يراهنون على انتزاع تعهدات تركية، يمكن احترامها.
المدينة التي تخلفت عن اللحاق بركب «الثورة»، تعرضت لغزو تركي سلفي قبل أربعة أعوام، واستدارت فيها الجبهات بعد أربعة أشهر من المعارك بدأت مع استعادة الكاستيلو، في التاسع من تموز الماضي، وإحكام الحصار على نحو ثمانية آلاف مسلح شرق حلب، و40 فصيلا، تشكل «جبهة النصرة» نواتهم الصلبة، لتتجه حلب مجدداً نحو دمشق. وليس قليلاً أن أكثر من 600 الف من سكان حلب الشرقية، فضلوا اللجوء الى غرب المدينة، لحظة سقوط أحيائهم بيد المجموعات المسلحة التي دعمتها وسلحتها تركيا وقطر والسعودية آنذاك.
وبسبب تسارع الانهيارات في صفوف المجموعات المسلحة، لن يكون ممكناً تحديد أين ستتوقف وحدات الجيش السوري في الساعات المقبلة. وتخلى مئات المقاتلين من «نور الدين الزنكي» و «حركة الصفوة الإسلامية» وحركة «أحرار الشام»، وبقايا تجمع «استقم كما أمرت»، عن مواقعهم للجيش السوري، مكتفين بثلاثة أيام دفاعاً عن أحياء الشطر الشمالي الشرقي. وأسهم الإعلان الروسي عن بدء حملة على حمص وادلب، من دون أن يكون للجيش السوري أي قوات برية مهاجمة فيها، في تشتيت الانتباه، ولعبت الغارات الجوية، والقصف بالصواريخ المجنحة من الأسطول الروسي في المتوسط، دوراً كبيراً في تثبيت مجموعات «جيش الفتح» في معقله الادلبي، واستهداف أرتاله المتجهة نحو حلب، ومنع المسلحين من الاستفادة من خزان احتياطي، لعب دورا كبيرا في العمليات العسكرية حول حلب.
ودخلت وحدات «حماية الشعب الكردية» الأحياء التي أخلاها المسلحون التركمان في حلب، بعدما تدفقوا نحوها، من مواقعهم في الشيخ مقصود. وكانت وحدات من ألوية «مراد الرابع»، و «محمد الفاتح» التركمانية، قد انسحبت بقرار تركي قبل أربعة أسابيع من أحياء الهلك وبستان الباشا، وبعض الحيدرية، والشيخ فارس والشيخ خضر، وهي الأحياء التي تقيم فيها مجموعات سكانية تركمانية كبيرة في أقصى الشمال الشرقي لحلب، لتنضم الى عملية درع الفرات. اذ بات الأتراك يعدّونها بديلاً من المجموعات التي قاتلت تحت إمرة استخباراتهم في حلب قبل اقتحام الجيش السوري لخطوط دفاعهم وانهيارها.
وفيما كان مقاتلو «لواء القدس» يتدفقون من شمال المدينة وبعيدين الى داخل الأحياء الشرقية، كان الجيش قد اختار الدخول الى حصن المسلحين الأهم في شرق حلب، في حي هنانو، الذي يتوسط خطوط الاتصال بين شمال الشرق الحلبي وجنوبه. وكان سقوط الحي الذي دخلته قوات العقيد سهيل الحسن، ووحدات من الحرس الجمهوري، سيؤدي الى إطلاق دومينو إسقاط الأحياء التي تجاوره، كالصاخور، والحيدرية والهلك، وبستان الباشا، وهو أحد أكبر الأحياء الحلبية، وأكثرها تحصينا. وتعد الهزيمة مضاعفة، لان أكثر المجموعات المسلحة كانت تحتفظ في الحي، من دون غيره، بمقارّها الأمنية ومعتقلاتها، وتعوّل عليه للدفاع عن بقية الأحياء التي لم تكن محصنة لمواجهة هجوم للجيش السوري، واعتبار تحصينات هنانو كافية للدفاع عن الجزء الشمالي، وقلب المدينة. وجاء اختيار الهجوم على الحي من دون غيره، والتركيز على اقتحامه، لانخفاض الكثافة العمرانية فيه، واقتصار الكتل الخرسانية على العشوائيات التي يمكن للمدرعات اقتحامها بسرعة. وتتسم الأحياء الشمالية الشرقية بصفة عامة، بعمران ريفي غالب ضئيل، لعب دوراً كبيراً في تسهيل تدفق القوات السورية، بخلاف الأحياء الجنوبية، التي تنتظرها فيها معارك أقسى وأهم. اذ تدفق الكثيرون من سكان الأحياء الشمالية الشرقية، نحو الأحياء الجنوبية في بستان القصر، والكلاسه، والشعار، حيث تتحصن «جبهة النصرة»، في كتل خرسانية اكثر كثافة، يمكن ان تستخدم كتحصينات تمنع تقدم الجيش، وتعرقل عملياته فيها.
كان قرار الانسحاب مؤشراً مهماً على إعادة ترتيب الاتراك لأولوياتهم في الشمال السوري، ووضع القتال داخل المدينة جانبا، لمصلحة التوسع في الشمال الحلبي، تمهيدا لإعادة تهديد حلب من خاصرتها الشمالية الشرقية اذا امكن، والاشراف على الشيخ نجار والمدينة الصناعية، من مدينة الباب، حيث عاد الطيران التركي الى قصف مواقع «داعش» فيها، بعد توقف دام يومين اثر قصف جوي سوري لرتل تركي على تخوم الباب.
واذا كانت التكتيكات القتالية التي اتبعها الجيش السوري، هي السبب الرئيسي في تحقيق انتصار حلب، الا ان ابلغ المؤشرات على نجاحه، جاءت من رعاية الروس ايضا لاتصالات ديبلوماسية على اعلى المستويات مع الجانب التركي، لاحتواء اي رد فعل ممكن. اذ واكبت هجوم اليومين الاخيرين اتصالات الرئيس فلاديمير بوتين مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان.
وكانت مؤشرات اخرى قد أسهمت في حسم قرار الدخول الى شرق المدينة، دوليا واقليميا ايضا. اذ لم يتلقف الاميركيون، ولا الروس، كلام يان ايغلاند، المسؤول الاممي عن الملف الانساني والاغاثة في سوريا، عن موافقة المجموعات المسلحة على ما رفضته وعرقلته طيلة اشهر، بإجلاء الجرحى، وتنظيم قوافل مساعدات انسانية، التي قال انها تنتظر في تركيا الموافقة السورية للدخول الى شرق حلب. لم يتحرك الاميركيون كعادتهم لطلب فرض الهدنة على الروس، فيما اكتفى الجانب الروسي، بالقول انه يدرس العرض. ففضلا عن رفض «جبهة النصرة» للعرض المقدم من ايغلاند، لم يجد الروس ولا الاميركيون انه من الضروري التدخل لوقف هجوم سوري وشيك يعد له الجيش السوري منذ اسابيع.
كما سقط اقتراح الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا بتسليم القسم الشرقي للمدينة الى ادارة المجموعات المسلحة، بعدما رفضته دمشق، باعتباره محاولة من دي ميستورا لانقاذ مهمته التي لم تتقدم ابدا، وملء الفراغ خلال المرحلة الانتقالية في واشنطن، ولإعطائه الامارة السلفية في حلب أعلام الامم المتحدة. وشهد الاقتراح هجوما روسيا سوريا ايرانيا مشتركاً، فيما لم يبد الاتراك اي رد فعل تجاه الاقتراح الذي كان سينقذ ما تبقى من المجموعات المسلحة في حلب. اذ باتت انقرة تفضل استعادة من امكنه الخروج والانسحاب نحو ادلب او ريف حلب الشمالي، لدعم «درع الفرات» بالمزيد من العديد، وتخفيف حجم انخراط جيشها في العمليات ضد داعش في مدينة الباب، او ضد الاكراد في منبج.
ويعود الانهيار الكبير والواسع للمسلحين الى تضافر تكتيكات عسكرية وسياسية، خلال اربعة اشهر من المعارك.
اذ عمل الروس والسوريون، على تصديع الجبهة الداخلية للمجموعات المسلحة في شرق حلب في استراتيجية لعزل المسلحين عما تبقى من سكان في شرق حلب. اذ ادت الهدن الى تعميق الشرخ بين هذه المجموعات وبيئة حاضنة مفترضة تضم اكثر من 250 الف حلبي. وزاد من نقمة هؤلاء منع الحصار تدفق قوافل المساعدات من خارج حلب، والحصار الداخلي وسيطرة المسلحين على المستودعات الغذائية، وتخصيص عائلاتهم وحدها بما فيها. ومع تمديد الهدن كانت الضغوط الداخلية تزداد، الى ان بدأت التظاهرات بالتحول الى حركة تمرد.
وبخلاف ما كان منتظرا من الهدن التي جرى تمديدها من دون توقف، لم تستطع المجموعات المسلحة ترميم بنيتها التحتية، كما حصل في هدنة شباط. اذ منع الحصار المطبق وصول اي تعزيزات. وواجه الجيش السوري في هجومه مجموعات دمر معنوياتها الحصار الطويل، وفقدت الامل باختراقه، رغم هجومين غير مسبوقين على معاقل الجيش في غرب حلب، لشق طريق نحو المحاصرين في شرقها. اذ تحولت «ملحمة حلب الكبرى» في آب وأيلول الى مذبحة استطاع الجيش السوري خلالها، في معارك مكلفة حول الكليات العسكرية جنوب غرب المدينة، تصفية قادة وكوادر مجموعات كثيرة، وفقد المهاجمون اكثر من الفي مقاتل في الموجات الاولى، التي تسللت عبر ثغرة الراموسة الى شرق المدينة، قبل استعادتها واغلاقها مجددا بعد شهر. ولم تتمكن العمليات التي دعمها الاتراك في تشرين الماضي، من تحقيق اي اختراق عبر منيان، او غرب المدينة، وهو ما ادى الى انهيار المعنويات.
وأسهم الحصار في اشعال الخلافات بين الفصائل في معقلها شرق حلب، اذ لم تتورع «نور الدين الزنكي» و «احرار الشام»، في ذروة المواجهة مع الجيش السوري، عن مهاجمة اخوة الجهاد في تجمع «استقم كما أمرت»، وتصفية عدد كبير منهم، والاستيلاء على مستودعات ذخائرهم.