أربعة أعوام أمضاها النازحون من أحياء شرق حلب بعيداً عن منازلهم، ينتظرون فرجاً طال أمدُه مع تعقد شكل الصراع في بلادهم، وتحول قضية حلب الى قضية دولية ظلّوا غائبين عنها وعن حسابات المجتمع الدولي والتعاطف الإنساني.
لم يكن هؤلاء يوماً من هواة السكن في خيم النازحين، ولا من محبي تجربة العيش بعيداً عن منازلهم، بل كانوا فقط مجبرين على الخروج منها للبحث عن «الأمان»، بحسب تعبير أبو عبدو، وهو حلاق نازح من شرق حلب.
في صيف عام 2012، قصد الحلبيون بالآلاف مناطق سيطرة الحكومة التي فتحت أبواب المدينة الجامعية لاستضافتهم، مستغلةً العطلة الصيفية آنذاك، وخلوَّ الوحدات السكنية من الطلبة، وقد أبدى أبناء حلب مرونة عالية في التعاطي مع واقعهم الجديد وراحوا يمنحون منطقة نزوحهم صفة المدينة الحقيقية، لا الجامعية، حيث انطلقوا إلى ممارسة أعمالهم ضمن حدود «مدينتهم» الجديدة، حيث انتشرت بسطاتٌ لمعظم المهن التي كانوا يعملون فيها سابقاً. هناك أيضاً، ستجد الحلاق والخياط وبائع العطورات والخضروات وأماكن صيانة الأدوات الالكترونية والجوالات، حتى بات هناك داخل المدينة الجامعية سوقٌ شعبية منظمة، فيها كل متطلبات المعيشة، تحت مسمى «السوق 15».
المكان الذي استوعب هذا الكم من العائلات لم يكن مجهزاً كمركز إيواء، فبدأت تظهر تداعيات ذلك على الواقع المعيشي: تسعة وعشرة أفراد تحتضنهم غرفة واحدة خصصت عند بنائها لاستيعاب أربعة طلاب، ظروف معيشة غير صحية، مياه غير متوفرة داخل السكن، على الأهالي نقلها بالأوعية من أماكن بعيدة، إلى جانب انعدام الخصوصية في المرافق العامة.
وأرخى واقع محافظة حلب بظلاله على الواقع المعيشي في «المدينة الجامعية» أيضاً، وامتدت أزمة الكهرباء إلى النازحين، إلى جانب أزمة المياه، ما دفع إلى حفر آبار جديدة واعتماد نظام الكهرباء بـ «الأمبيرات» كباقي أحياء حلب الخاضعة لسيطرة الحكومة.
ويقول أبو بشار، وهو نازح من حي باب جنين: «بعدما كانت بيوتنا مفتوحة على مصراعيها لاستقبال الضيوف وموائدنا عامرة، أصبحنا اليوم نعيش في غرفة تضيق علينا، وننتظر دورنا كي نستحم»، متسائلاً «أي حال هذه التي وصلنا إليها؟».
ظروف النزوح والمعيشة الجديدة تركت أثرها النفسي والمادي على الأطفال الذين دخل نسبة كبيرة منهم الى سوق العمل، وباتوا مسؤولين عن معيشة عوائلهم، لكنهم ظلوا يحفظون أسماء مدارسهم، حتى أن الطفل عدنان لا يزال يحفظ أسماء المعلمات والقصيدة التي كان قد كتبها على مجلة الحائط المعلقة في صدر المدرسة!
وظلّ الأهالي النازحون من أحياء شرق حلب محافظين على علاقاتهم الاجتماعية جيدا، وهم يجتمعون يوميا، حيث تكون أحياؤهم محور حديثهم.
هكذا، يستذكر أبو أحمد، وهو مشرف على إحدى الوحدات السكنية، أيام ما قبل النزوح، متحسراً على حاله التي تغيرت «إذ بعدما كانت لنا بيوتنا بعناوينها الواضحة التي نرشد الناس إليها، أصبحنا اليوم نعطي أرقام غرفنا.. هذا الواقع من الصعب علينا قبوله».
يحافظ الأهالي على معظم عاداتهم الاجتماعية، فتواظب النساء على الزيارات الصباحية، بينما يعقد الرجال السهرات مساءً، كما أنهم يبدون تنظيماً شديداً للوحدات السكنية التي يعيشون فيها، إذ عيّنوا مشرفين عليها من الأهالي أنفسهم يتولون تنظيم الأمور السكنية.
لم يعتد الأهالي على هذه الحياة نهائياً رغم مرونتهم في التعاطي معها. يقول أبو بشار إنه «قد تجدنا مبتسمين ومرحبين بك، لكننا لسنا سعداء هنا. نريد العودة إلى منازلنا»، مضيفاً بلهجة حلبية يشوبها الحزن «هنيك إلنا بيوت ورزق، راجعين لو بدنا ننام عالحصيرة يا ابني ونخلص من هالعيشة، البني آدم مالو غير بيتو».
حرقة قلب جماعية لدى العوائل النازحة على أحيائها ومنازلها التي تجهل واقعها، وكذلك على أبنائها الذين خطفوا في تلك الأحياء وأرزاقها التي سرقت ومدخراتها التي أمضت عمرها في جمعها.
ينصت الأهالي إلى أخبار المعارك في شرق حلب، متأهبين للعودة إليها عندما يصمت صوت الرصاص.
يقول أبو قدري إنه يتوق لمعانقة جيرانه الذين بقوا بالداخل، جازماً أنهم أيضاً تواقون للقاء به رغم أنهم لم يتواصلوا مع بعضهم البعض منذ عام تقريباً، بينما ينتظر الطلبة تلك اللحظة حتى يفرغ السكن الجامعي ويعودوا للعيش فيه بغرفهم بعدما باتوا محصورين بعدد محدود من الوحدات السكنية التي تضيق عليهم.