يبدو استمرار «الحوار» بين روسيا وبعض الفصائل المسلّحة في أنقرة نوعاً من المفارقات الساخرة وسط التطورات الميدانية التي تذخر بها ساحةُ الأحياء الشرقية في حلب. غير أن هذه اللقاءات لم تكن لتستمر لولا وجود اسبابٍ موجبة عند كل طرف تفرض عليه مواصلة هذا المسار التفاوضي. ورغم إعلانات الرفض المتكرر من قبل الفصائل للخروج من حلب، فقد كان يوم أمس موعداً لانعقاد جلسة جديدة من الحوار مع ممثلين عن وزارة الدفاع الروسية.
هناك حالياً ثلاثة مسارات من التفاوض حول أحياء شرق حلب، الأول ما يجري في أنقرة بين روسيا والفصائل، والثاني الاجتماعات المُرتقبة بين روسيا وبين الولايات المتحدة في جنيف، والثالث تلك الاقتراحات التي طرحها رئيس المجلس المحلي المعارض في حلب بدعمٍ فرنسي واضح. وليس هناك أي ارتباط بين مسار وآخر، بل قد يكون التضارب قائماً في ما بينها أكثر من التقاطع.
وتتعامل روسيا بارتياح تام، مع تعدد هذه المسارات وإمكانية أن تقفز في ما بينها بما يخدم مسألة تقطيع الوقت، بينما العملية العسكرية للجيش السوري تحقق مزيداً من التقدم على الأرض، وتضيّق الخناق أكثر فأكثر على الفصائل المسلحة داخلها. في حين تُدرك هذه الفصائل أنه لا خيار أمامها سوى الانخراط في مسار الحوار مع روسيا، ليس بسبب تراجعها الميداني وما يشكله ذلك من ضغوط عليها فحسب، بل أيضاً لأن تركيا، التي تعتبر من أهم الدول الداعمة لها، تريد ذلك بقوة.
وتتفق أوساط جميع الفصائل المسلحة على أنه «لا خروج لجميع الفصائل من أحياء حلب مهما كان الثمن»، ويعتبرون ذلك من البديهيات التي لا خلاف عليها بين فصيل أو آخر. كما تتفق هذه الأوساط على «إمكانية القبول بخروج عناصر فتح الشام مقابل شروط معينة». لكن «فتح الشام» أعلنت عبر قيادي فيها (لم يذكر اسمه) في تصريحات صحافية أن «الجبهة ترفض الخروج من حلب، بل لا يجرؤ أي فصيل على مفاتحتها بمثل هذا الطلب». ويعتبر موقف «النصرة» من أهم العقد التي تمنع التوصل إلى نتائج إيجابية لحل موضوع الأحياء الشرقية في حلب من دون قتال.
وبعد اسبوعين من انطلاق اللقاءات بين الطرفين، فإن مصادر مقرّبة من الفصائل المسلحة تؤكد أن ما جرى حتى الآن لا يمكن وصفه بـ «المفاوضات» بل هو مجرد حوار لاستطلاع وجهات النظر.
وقال بسام حجي مصطفى، عضو المكتب السياسي في «حركة نور الدين الزنكي» المشاركة في محادثات أنقرة مع الروس، لـ «السفير»، إنه «بعد الهجوم البري على حلب وظروف القصف الجوي، فُرض علينا أن نستجيب لمطلب الوسيط التركي للقاء ممثلين عن وزارة الدفاع الروسية، وهذا ما تمّ بقصد الحوار حول مطالب الروس وردودنا عليها».
وأكد مصطفى أن «اليوم (أمس) سيشهد جلسة جديدة، إلا أن تصريحات لافروف نسفت مضمون اللقاء قبل أن يحصل»، في إشارة منه إلى تصريحات وزير الخارجية الروسي حول خروج جميع المسلحين، وليس فقط عناصر «فتح الشام».
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى «السفير» من أنقرة، فإن روسيا لم تطرح على طاولة المفاوضات مسألة خروج جميع المسلحين من أحياء شرق حلب، وإنما تحدثت فقط عن خروج «عناصر فتح الشام» مقابل وقف القصف وإدخال المساعدات الانسانية. ورغم أن الدكتور زكريا ملاحفجي، عضو المكتب السياسي في «تجمع فاستقم» المشارك في محادثات أنقرة لم ينف ذلك، إلا أنه اشار في حديث مع «السفير» إلى أن «كلاً من روسيا والنظام السوري أبلغا الجمعيات الأهلية (بناء على مبادرة أهالي حلب) أن المطلوب هو خروج جميع المسلحين وليس فقط عناصر فتح الشام»، وهو ما يؤكد بطريق غير مباشر أن هذا الشرط لم يطرح على طاولة المفاوضات في أنقرة، وإنما جرى طرحه في سياق مبادرة مختلفة هي مبادرة «المجلس المحلي».
من جانبه، قال رامي الدالاتي، الذي جرى تعيينه مؤخراً كمستشار لغرفة العمليات العسكرية في تركيا، إن «المحادثات في أنقرة تعثرت لسببين، الأول بسبب التباين بين الموقف الروسي والموقف الايراني. والثاني بسبب تردد الفصائل في قبول الاشتراط بأن يشمل الاتفاق مناطق أخرى»، في إشارة إلى ريف حلب الجنوبي والغربي، وهو ما شرحه ملاحفجي بالقول إن «الفصائل ستسعى انطلاقاً من الريف لفتح طريق نحو أحياء حلب الشرقية لفكّ الحصار عنها، ولا يمكن لها الركون إلى اتفاقات أو تعهدات الدول في هذا الصدد».
ورغم أن إشارة ملاحفجي إلى فكّ الحصار عن أحياء حلب الشرقية، أو ما تبقى منها تحت سيطرة الفصائل، تبدو غير منطقية نظراً للتقدم الذي يحرزه الجيش السوري في هذه الأحياء التي تشهد شبه انهيار للفصائل، غير أن بسام حجي مصطفى يوافقه الرأي، مشدداً على أن «الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت، وأظن أن الروس أول من سيفاجأ».
واتفق كل من ملاحفجي ومصطفى على أن تركيا تسعى في هذه المرحلة إلى حماية نفسها، لذلك لا تهتم كثيراً بحلب، وهو ما عارضهما به رامي الدالاتي. فقد اعتبر مصطفى أن «تركيا تتعرض لتهديدات نتيجة الأحداث في المنطقة، وهي مضطرة لاتخاذ خطوات إجبارية في المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا»، وبالتالي هي «تعمل على حماية انجازاتها العسكرية والسياسية بحذر شديد». كما أكد ملاحفجي أن «حلب لم تعد أولوية تركية، بل أولويتها اليوم هي درع الفرات وحماية حدودها». في المقابل، قال الدالاتي بالنسبة للموقف التركي من حلب إن «تركيا تُخفف القول وتُخفّض من التعليقات السياسية حول حلب، أما ميدانياً فإننا لم نلمس تغيراً بالموقف التركي تجاهنا (الفصائل)».
غير أن مصطفى انفرد بالتهجم على التدخل الأميركي في مسار المفاوضات، مشيراً إلى قناعته بأنه «يصب في خانة تعبئة الوقت الأميركي الضائع فقط».
وكان لافروف أعلن أمس، ان المشاورات الروسية الاميركية ستعقد «بهدف وضع آليات خروج كل مقاتلي المعارضة من شرق حلب».
وكان وزير الخارجية الاميركي جون كيري أعلن يوم الجمعة الماضي ان «لقاء سينعقد مطلع الاسبوع المقبل في جنيف» لمناقشة سبل انهاء النزاع في حلب.