الرئيسية , اخبار و نشاطات , اخبار محلية , النأي بالنفس.. قناع الإنحياز

النأي بالنفس.. قناع الإنحياز

يفرض التجييش للانتخابات النيابية المقرَّرة في السادس من الشهر المقبل، إيقاعه وشروطه ومتطلباته على مختلف القوى السياسية، وأهم هذه المتطلبات “تحمية” الشارع حتى يندفع بوعي أو من دونه، للتصويت وفق انتماءات عصبوية؛ طائفية أو مناطقية، أو حتى مصلحية مادية، بما يضمن لقوى التجييش الفوز بأكبر حصة ممكنة من المقاعد النيابية، تتيح للزعيم الاستمرار في زعامته، ولصاحب السلطة البقاء في سلطته. وفي هذه المعمعة يسقط شعار “النأي بالنفس” الذي رفعه رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، ضحية هذا التجييش، خصوصاً إذا كان رفع سقوف الخطابات السياسية مطلباً وحاجة إقليمية، تستدعيها ظروف القوى الخارجية الداعمة لقوى في الداخل اللبناني.

لذلك، يبدو شعار النأي بالنفس، خصوصاً لدى أصحابه ورافعيه، مجردخدعة “حربية” أو سياسية ليس إلا، تسستكمل بعدها المواجهة في ظرف أكثر ملاءمة لهم.

هكذا يتصرف صاحب الشعار رئيس الحكومة؛ رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري، الذي لا ينأى في تصريحاته وخطبه عن إطلاق مواقف الاختلاف والتصادم مع أخصامه، ويلاقيه في ذلك حليفه “اللدود” سمير جعجع، الذي يفسر في قاموسه”النأي بالنفس” بأنه “النأي بالنفس”! لكن النتيجة تبقى نفسها، وهي الرؤية بعين واحدة والإصرار على التصرف بانحياز في الأمور المختلف عليها، خصوصاً القضايا الوطنية الكبرى، وهل هناك من قضية أكبر من مسألةمقاومة ومواجهة الغزوة الصهيونية للمنطقة، المدعومة من قوى الغرب الاستعماري، بالتواطؤ مع أنظمة “عربية” لم يكن لها أن تكون لولا هذا التواطؤ المرسوم لها كظهير محلي للاستيطان الصهيوني في فلسطين، الذي يحمل مشروعاً للتمدد ما بين نهري الفرات والنيل، وهي حدود الكيان الصهيوني حسب تخطيط مؤسسي هذا الكيان السرطاني الغريب.

أجبرت صواريخ فقراء اليمن، المملكةَالعربية السعودية على “النأي” بقمتها “العربية”، ففرت بها من الرياض إلى الظهران، خوفاً من استهدافها من قبَلالمقتولين والمظلومين في اليمن، لكن القمة التي أنجزت أعمالها في نصف يوم، على غير العادة، قلبت الحقائق واعتبرت أن اليمن المحاصَر والمهدد بالتقسيم والاحتلال، هو الذي يعتدي على السعودية؛ على جاري العقل الصهيوني الذي يعتبر الفلسطينيين والمقاومات العربية هي التي تعتدي على “إسرائيل”.

وفي المكان نفسه، ولأن قمّة السعودية فشلت في التمهيد اللازم لتبني “صفقة القرن”، التي هي في حقيقتها عملية بيع للقضية الفلسطينية بالجملة، بعدما جرى بيعها في السابق بالمفرق، “نأت” القمّة عن هذه الخيانة الموصوفة، وادعت أن اسمها “قمة القدس” تبرع فيها ملك السعودية للفلسطينيين، بمبلغ لا يستحق أن يكون غباراً لمئات المليارات التي قدمها الحكم السعودي للرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، ولأن رئيس حكومة لبنان لا يتحمل فكرة الخروج عن الخط السعودي، ولا عن الرغبات السعودية، حتى بعد احتجازه وإهانته في الرياض من قبَل حُكامها، فإن النأي بالنفس لديه هو نسخة سعودية بامتياز، إذ إنه رفع شعار النأي بالنفس بعد تراجع رهاناته السياسية، وتحديداً رهانه مع قوى “14 آذار”، على نجاح إرهابيي القوى التكفيرية الذين تجمعوا في جرود السلسلة الشرقية، في التغلب على المقاومة وخرق النسيج اللبناني وإقامة إمارات تكفيرية فيه، على غرار تلك المتساقطة الواحدة تلة الأخرى في سورية والعراق، وكذلك فشل رهاناته، الواحد تلو الآخر، على إسقاط الدولة السورية، بما يتيح له وللحلف الدولي الواقف خلفه الإمساك بمفاصل الحكم في لبنان وقلب معادلاته.

ومثلما قلبت “قمة السعودية” الحقائق والوقائع، نجد “النأي بالنفس” لدى تيار المستقبل استمراراً في إثارة العصبيات والتحريض عليها، حيث يعلو خطاب الرئيس الحريري و”المستقبليين” في التهجم على سورية وإيران والمقاومة، في حين “ينأى”رئيس الحكومة بنفسه فعلياً عن التطرق للخرق “الإسرائيلي” اليومي للسيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً، حتى أنه يتجاهل استعمال “الإسرائيليين” والتحالف الغربي أجواء لبنان للاعتداء على سورية؛ في تأكيد فاضح على أن شعار “النأي بالنفس” بالنسبة للحريري وغيره من جماعة الحلف الأميركي – “الإسرائيلي” – السعودي، ما هو إلا قناع للانحياز لصالح مشغليهم، ولعل آخر دلائل هشاشة هذا الشعار وعدم صدقية تطبيقه،ما تشهده شوارع العاصمة بيروت من “نأي” وزير داخلية الحريري؛ نهاد المشنوق، بنفسهعن التعديات والاستفزازات التي يقوم بها عناصر “تيار المستقبل” بحق مرشحي اللوائح الانتخابية المواجهة لهم؛ في تصرُّف “ديموقراطي” يستحق التمعُّن والمتابعة.

عدنان الساحلي (الثبات)

شارك هذا الموضوع:

شاهد أيضاً

صيدا تعاقب الحريري

بعد تسع سنوات تخللتها هزائم وتفككات متلاحقة لتيار المستقبل وحلفائه، في الداخل والخارج، اقتطع الصيداويون …