الرئيسية , القسم الدعوي , فتاوى و قضايا معاصرة , وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ

وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ

بقلم شهيد المحراب : الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم ـ أيها المسلمون ـ ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد، فيا عباد الله:

هاهي ذي الليالي العشر الأولى من شهر ذي الحجة التي أقسم الله سبحانه وتعالى بها في محكم تبيانه قد أظلتنا من جديد، هي الليالي التي أشار إليها البيان الإلهي في قوله عز وجل: وَالْفَجْرِ، وَلَيالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ .

ولقد نبه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى سر قسم الباري سبحانه وتعالى بهذه الليالي، فقال فيما رواه البخاري في صحيحه، من حديث عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما: “ما من أيام العمل الصالح فيها خير منه في هذه الأيام” أي في هذه الأيام التابعة لليالي التي أقسم الله سبحانه وتعالى بها، قال أحد أصحابه: “ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه ومال مجاهداً في سبيل الله تعالى، فلم يعد من ذلك بشيء” .

هذه ليالٍ يكرمنا الله عز وجل بها، ومعها أيامها التابعة لها، وإنا لنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لحسن استقبال هذه الليالي وهذه الأيام، والتوجه فيها إلى الله سبحانه وتعالى بما يرضيه، بعد التوبة النصوح، وبعد تطهير القلب من الشواغل التي تحجب عن الله عز وجل، ومن الزعل والشحناء، ولاشك أن العبد الذي يوفق لهذا الذي نبه إليه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم سيجعل الله له من هذه الفرصة السانحة التي انتهزها أساساً راسخاً لإقباله الدائم على الله سبحانه وتعالى، ولاصطلاحه الدائم معه عز وجل.

وأحب أن أقف معكم عند قوله صلى الله عليه وسلم (العمل الصالح) “ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن خير منه في هذه الليالي” أو في هذه الأيام، لم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلم: ما من أيام العبادة فيها خير، وإنما قال: ((العمل الصالح)) وكلمة العمل الصالح تشمل كلَّ ما يمكن أن يصلح الإنسان، ويبعد عنه الفساد وأسبابه، سواء لوحظ في ذلك الإنسان الفرد، أو المجتمع، فما من عملٍ يصلح الإنسان فرداً، أو يصلح الهيئة الاجتماعية والأسرة الإنسانية، قام به الإنسان وقصد بذلك وجه مولاه وخالقه سبحانه وتعالى، إلا وقربه هذا العمل إلى الله سبحانه وتعالى، وكان معدوداً في قائمة العبادات التي شرعها الله سبحانه وتعالى وأمر بها، والأعمال الصالحة – أيها الإخوة – لا حصر لها، ولكنا نُجْمِلُها بما قد قلت: كل ما ينفع الفرد المؤمن، وكل ما يصلح الهيئة الاجتماعية، الأسرة الإنسانية، فهو عمل صالح.

ولعل كلمة العمل الصالح تترجم بكلمة جامعة مثلها هي الأخلاق الإنسانية الفاضلة، وأنتم تعلمون أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ولعلكم تعلمون أنه صلى الله عليه وسلم يقول، يذكرنا بثلاثة أمور يقول: “اتق الله حيثما كُنْتَ، وأتْبِعِ السيئة الحسنة تَمْحُها، وخالقِ الناسَ بخُلُق حسن” . فإذا أتيح للإنسان أن يخالق إخوانه في الإنسانية، ولا أقول في الدين فقط، بخلق حسن، فقد قام بالعمل الصالح الذي تحدث عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم ولاحظوا قوله: ((وخالقِ الناسَ)) وكلمةُ (الناس) عامَّةٌ، ولم يقل: خالق المؤمنين، أو: خالق المسلمين، أو: خالق المواطنين، أو: خالق من هم ينتسبون إلى قومك. وإنما قال: ((وخالق الناس بخلق حسن)) والخُلُق الحسن: كلُّ ما يصلح المجتمع الإنساني، وكل ما يعود بالخير الحقيقي إلى الفرد، وإذا علمنا هذا فما أيسر أن يتقرب الإنسان في هذه الليالي التي وفدت إلينا والتي أكرمنا الله عز وجل بها، ما أيسر أن نتقرب في هذه الليالي والأيام إلى الله عز وجل.

الإنسان – أيها الإخوة – مفطور بطبعه على أن ينهض بالأعمال الصالحة التي تصلحه، وتصلح بني جنسه، والإنسان العاقلُ السويُّ في فطرته، والسويُّ في طبعه، لا يجنح إلى فساد ولا إلى إفساد، بل يبحث دائماً عن الشيء الذي يصلحه، وعن الشيء الذي يصلح إخوانه، فما أعظم رحمة المولى إذ يجعل من سعينا الفطري إلى ما يصلح شأننا وإلى ما يصلح شأن إخواننا في الإنسانية عبادة نتقرب بها إلى الله عز وجل، فيتقبلها منا، ويدخر لنا عليها الأجر العظيم الذي ينتظرنا يوم القيامة، فما بالكم بالعمل الصالح هذا عندما ينهض به الإنسان في هذه الليالي والأيام التي أقسم بها الله سبحانه وتعالى، والتي نوه بأهميتها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ولعل فينا من يقول: فإذا كان المراد بما يقربنا إلى الله عز وجل مجرد العمل الصالح، إذن فما أيسر أن يصل الإنسان إلى الله عز وجل، دون أن يعرفه، ودون أن يلتزم بالعبادات الأساسية التي كلفنا الله عز وجل بها، حَسْبُه لكي ينال رضوان الله عز وجل أن يمارس الأعمال الصالحة التي تعود إلى الفائدة للإنسانية في سوقه، أو في مدرسته، أو في دائرته، أو في جامعته، سواء عرف المولى أم لم يعرفه، مادام أنه يمارس أعمالاً تصب في مصلحة الأمة، إذن فهو سائر إلى الله عز وجل، وهو مقبول عند الله، وله الأجر العظيم على ذلك، سواء عرف الله أم لم يعرفه، ربما قال قائل هذا الكلام.

وأقول في الجواب أيها الإخوة، وهو سؤال مكرور: علم الله سبحانه وتعالى وهو العليم الحكيم، أن البشرية عامة لا يمكن أن ينهض أفرادها بالعمل الصالح الذي يعود بالخير إلى الفرد والمجتمع إلا إذا هيمنت رقابة الله سبحانه وتعالى على هؤلاء الناس، لابد من ضمانة تدفعني إلى العمل الصالح الذي يصلحني والذي يصلح المجتمع، إذا لم توجد هذه الضمانة فإنني لن أسلك الطريق الذي يصلحني ويصلح المجتمع، وإنما سأسلك عندئذٍ طريق الرعونة التي تدفعني إليها أنانيتي، والتي تدفعني إليها أمراضي القلبية من كبر وحقد وحسد وضغائن وشحناء وبغضاء إلى آخر ما هنالك، ولو أن الله عز وجل، وهو الحكيم الخبير، علم أن الإنسان يسعى إلى إصلاح نفسه وإصلاح مجتمعه، ما وسعه ذلك دون أن يفيض قلبه مهابة من الله، خوفاً من الله، رقابةً لله، لَتَرَكَهُ يسيرُ في هذا الطريق بشكل آلي، وبدافع من طبعه وفطرته، ولكن الله علم أن الإنسان قد فاضت نفسه بالرعونات، وبالغرائز التي تستهويه السير في طريق أنانيته، ومن ثمَّ فكان لابدَّ من وسيلة تتحقق في كيانه تدفعه إلى العمل الصالح، هذه الوسيلة هي إيمانه بالخالق عز وجل، ويقينه بأن الخالق يراقبه، وبأنه سيقف بين يديه غداً، طالت حياته أو قصرت، وبأنه مجزي بأعماله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ومن ثمَّ إذا علم الإنسان أن قيوماً للسماوات والأرض موجود، وأن هذا القيوم يراقبه، فإنه عندئذٍ سيندفع للعمل الصالح، لأن الله يأمره بذلك، وعندئذٍ سيتخلى عن رعوناته، وعندئذٍ سيتحرر من أنانيته، ومن حسده وضغينته، وحقده وكبريائه.

من أجل هذا كان لابدَّ للإنسان عندما يريد أن يسلك سبيل العمل الصالح المقرب إلى الله عز وجل؛ أن يؤسس عمله الصالح على أساس من الإيمان بالله، وعلى أساس متين من مراقبة الله سبحانه وتعالى، وعلى أساس متين من محبة الله ومن تعظيم حرمات الله عز وجل، وهل شرع الله عز وجل ما شرع من صلاةٍ وصيام وحج وزكاة إلا لكي تطهر النفس من غوائلها، فتستطيع أن تسلك سبيل الصلاح، وتبتعد عن سبل الفساد؟ إذا هيمنت العقيدة على كيان الإنسان، فإن هذا الإنسان مهما كان سعيه، ومهما تقلب فيه من مظاهر الحياة الدنيا، فإنه سيوفق لأن يجعل ذلك كله قربى إلى الله سبحانه وتعالى، الإنسان الذي فاض قلبه إيماناً بالله، ومن ثم خشيةً لله وحباً وتعظيماً لله سبحانه وتعالى، لو فاضت النعم في داره وتراقصت المِنَنُ عن يمينه وشماله، فلن يكون أثر ذلك كله إلا تقريباً إلى الله سبحانه وتعالى، لو أنه امتلك كنوز الدنيا أجمع فلن تكون كنوزه هذه إلا سُلَّماً للوصول إلى مرضاة الله عز وجل، وهكذا يصنع الإيمان، وهكذا تصنع مشاعر المهابة والخشية من الله عز وجل. العبد الذي عرف ربه وأحب مولاه وخالقه، يفرح بالنعمة إذ تأتيه، ويتمتع بلذتها إذ يتعامل معها، ولا ريب، لكنه يفرح بها لأنها آتيةٌ من عند مولاه، يفرح بها لأنه يشعر أن الله تفضل عليه بها، فهو إذ يتلقى النعمة أياً كانت من مولاه وخالقه، كأنه يتلقى رسالة من الله سبحانه وتعالى تنبِئُه بأن الله يحبه، وبأن الله سبحانه وتعالى يكرمه، ومن ثم فهو يفرح بصاحب الرسالة أكثر من أن يفرح بالورقة التي أرسلت إليه، نِعَم الله عز وجل التي تترى إلينا رسائل آتيةٌ وواردةٌ من عند الله عز وجل، طعامك الذي تأكله، شرابك الذي تشربه، أرزاقنا التي تهمي من السماء، النباتات التي تتفجر من الأرض، المال الذي يكرمنا الله عز وجل به، الأهل والزوجة والأولاد، كل ذلك رسائل آتيةٌ من عند الله سبحانه وتعالى.

فمن كان قد عرف ربه، وآمن به، وفاض قلبه حباً وخشية منه، فرح، لكنْ فرحُة بمَ يكون؟ فرحه الغالب يكون بأن هذه النعم قد وفدت إليه من ا لله، وفي ذلك تنبيه إلى أن الله قد أكرمه، أن الله عز وجل يحبه، وما أوضح هذا المعنى في قول ربنا سبحانه وتعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ .

{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} لاشك أن النعم التي يكرم الله عز وجل بها عباده مظهر لفضل الله، فبِمَ أفرح؟ بالنعمة التي تتألق أمامي والتي أتمتع بها، أم بما تدل عليه من فضل الله علي، يقول لي الله: لا بل افرح بما تدل عليه النعمة من تفضل الله عز وجل بها عليك، افرح بما تدل عليه النعمة من رحمة الله عز وجل بك، افرح بما تدل عليه النعمة من محبة الله سبحانه وتعالى لك، أرأيتم إلى ما يصنعه الإيمان أيها الإخوة؟ أرأيتم إلى ما تصنَعُهُ محبة العبد للرب، تعظيمه لمولاه، معرفته بأن الله عز وجل يراقبه، إذن كل تقلباته عبادة، كل أحواله قربى إلى الله سبحانه وتعالى، يتلقى النعم ويتعامل معها فتقربه إلى الله، لأنه لا يفرح بذاتها، وإنما يفرح بأنها وفدت إليه من عند الكريم، من عند الرب الرحيم، أجل.

ومن ثَمَّ فإن الإنسان مهما كانت أعماله وتقلباته إذا صبت في مصلحة الفرد أو في مصلحة المجتمع الإنساني، وكان عمله هذا متوجاً بالإيمان بالله عز وجل، وكان هدفه من وراء ذلك الوصول إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، دخل فيمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: “ما من أيام العمل الصالح فيها خير منه في هذه الأيام. قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج مجاهداً في سبيل الله بنفسه وماله، فلم يعد من ذلك بشيء” .

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للقيام بالأعمال الصالحة بأوسع معاني هذه الكلمة، الأعمال الصالحة التي تصلح حياة الفرد وتصلح حياة الأسرة الإنسانية، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل روح هذه الأعمال الصالحة السارية فيها إيماننا بالله، مراقبتنا لله سبحانه وتعالى.

الجمعة 7 يناير/كانون الثاني 2005

شارك هذا الموضوع:

شاهد أيضاً

الميناء: حي التنك يستعد لمواجهة الدولة!

مرة جديدة تدخل الدولة على قضية″حي التنك″ في الميناء، من باب قانوني وبطريقة مجتزأة، تفتقر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *