سيحترم «تيار المستقبل» الأصول «البروتوكولية» لولادة الأحزاب، وسيفتح أبوابه لاحتضان مؤتمر تأسيسي يحمل حالته الجماهيرية إلى قالب تنظيمي. كلّ التحضيرات اكتملت، والدعوات وجّهت للهيئات الوسيطة من مجالس المحافظات وقطاعات مركزية وبعض «أصدقاء الشـهيد»، الذين سيشـكّلون مكونات المؤتمر العام، إلى جانب شـخصيات مراقبة. ستحضر «السـيرة الحريرية» منذ نشوئها في العام 1979، على طاولة النقاش. وستكون البدايات التنظيمية التي انطلقت منذ ثلاث سنوات، موضع تقييم أهل البيت.
التقرير السـياسي سيعبّر عن التاريخ، الحاضر، والغد. سيحاول رسم دور مستقبليّ، أثقلته «مقتضيات السلم»، بالغموض والضبابية. تساؤلات المؤتمرين ستلوّن روتينية الجلسات، وستخرجها «شكلياً» من السياق المرسوم لها... ولكن من دون أن تعدّل في جوهر مساره العام. فعلى الرغم من كلّ مظاهر الديموقراطية التي ستسـتفيض بها القيادة السياسية، على الانطلاقة «الزرقاء»، إلّا أن هذه المحطّة قد لا تكون أكثر من «مهرجان» للكاميرات، يستقطب الأنظار، فقط... لا سيما إذا كان «ما كتب قد كتب»، في الموضوعين التنظيمي والسياسي، على حدّ ما يتخوّف البعض من المشاركين.
يحاول «تيار المستقبل» الانتقال من حالة شعبية «عفوية»، أنتجها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005 وبلغت أوجها في العام 2009، وتمّ تنظيم بعض «قطاعاتها» بشكل ذاتي، وإنشاء قنوات اتصال مع بعض شرائحها على عجل. «فلسفة النظام المستحدث، تقوم على أساس خلق أداة تنظيمية تكون في خدمة الجمهور»، كما يقول منسّق اللجنة الخماسية أحمد الحريري.
سينتج المؤتمر انتخاباً رئيساً لـ«لتيار»، مكتباً سياسياً، وأمانة سرّ هيئة الإشراف والرقابة. وسيتمّ تكليف المكتب السياسي استثنائياً، ولمرّة واحدة، تعيين المواقع المناطقية. أما الأمانة العامة، فستترك لما بعد المؤتمر، وفق آلية لم يكشف عنها.
ينفي أحمد الحريري محاولات إسقاط «الذراع التنفيذية» على المؤتمر. «المكتب السياسي سيراعي التوزيع المناطقي والطائفي للتيار، واحترام التمثيل النسائي. نحن نحاول أن نكون شركاء مع الجمهور في الاختيار، لن يكون مرهوناً برأي «القيادة العليا». الترشّح للمكتب السياسي مفتوح لكل الأعضاء العاملين، ولذا فإن تعطّش الجمهور للتغيير، هو الذي يدفع البعض إلى التخوّف من تركيبات جاهزة».
صدمة إيجابية يسعى «التيار» إلى إحداثها في أوساط جمهوره، بعد سلسلة الإخفاقات التي شهدها خلال الاستحقاقات الأخيرة. يتحضّر لنفضة شاملة في الأسماء القيادية، بعضها لمع نجمها خلال الاستحقاقات الأخيرة، وبعضها «أفل»، بفعل هذه الانتخابات... ولتكريس آلية جديدة في الأداء السياسي والاعلامي والتنظيمي.
الإقرار بوقوع «القيادة الزرقاء»، بعدد من العثرات أو الهنّات الهينات، أمر لا مفرّ منه. ولكن للظروف السياسية الصعبة والمتقلّبة بشكل سريع، والتي عرفتها البلاد خلال الفترة الأخيرة، حصّتها في تشخيص العلل. لهذه الأسباب لم تُصقل قدرات القيادات الوسيطة، فيما الهيكلية التنظيمية «الضيّقة»، افتقدت لآليات التواصل مع الفاعليات العائلية، الاقتصادية، البلديات، والمجتمع المدني. تنظيم الحدّ الأدنى تمكّن من تسيير أموره في الظروف الاستثنائية، علماً بأنه حقق نجاحات في بعض القطاعات، ولا بدّ اليوم من وضع تنظيم يتناسب مع الظروف. وفي بعض الأحيان غابت الخطّة من أيدي بعض القيادات، ما أنتج حالة من الفوضى، وفي أحيان أخرى كان التوجيه القيادي يساهم في تحسين الأداء.
تحتمل المرحلة الانتقالية، بحسب الحريري، الوقوع في بعض الإخفاقات، لا سيما في ضوء غياب مفاهيم سياسية ثابتة، على عكس المرحلة الراهنة التي تتميّز بالاستقرار وتسمح ببلورة أهداف محدّدة للتنظيم، يفترض عليه تحقيقها.
بعد دراسة العديد من التجارب الحزبية، المحلية، والغربية، من التوتيليتارية إلى اقصى الليبيرالية، تبيّن أنه «لا يمكن لأي تنظيم الحفاظ على ديمومته إذا لم يُشرك المجتمع المدني بعمله. ليس المطلوب علاقة تبعية، بل شراكة مع من يريد أن يكون فاعلاً في مجتمعه».
في فلسفة الفكر، الإتجاه هو «لاستبعاد العقيدة الجامدة». الهدف هو «إنماء المجتمع اللبناني مع الحفاظ على ثوابت معيّنة، من بناء الدولة، إلى المناصفة في الحقوق بين المسيحيين والمسلمين. ثمّة حاجات اجتماعية عامة، عابرة للمناطق والطوائف، ولا بدّ من مشاركة بعض المختصين، لتغطية هذه الحاجات ولتأمين الانفتاح على شرائح جديدة. المتغيرات السياسية سريعة، تستدعي الإعفاء من العقيدة الجامدة» يقول منسق «الخماسية» أحمد الحريري.
الهاجس من انحسار «الجمهور الأزرق»، سبب رئيس في الهروب من «فخّ» النظام الصارم والهيكلية المنضبطة إلى أكثر الحدود. يقول الحريري إن قانون الأحزاب في لبنان مرّ عليه الزمن، كما ارتبطت الأحزاب بالحرب الأهلية بعدما تحولت إلى ميليشيات، بينما التيار يعبّر عن مجموعة متنوعة من الشرائح، من اختصاصات مختلفة، تلتقي حول نظام معيّن يوزّع الأدوار. جمهور المستقبل ينتشر على كامل الخريطة اللبنانية، ولذا لا يمكن الإحتكام للإطار الحزبي الضيّق، ولهذا ستكون هيئات التيار موسّعة جداً، لتمثيل كلّ الشرائح الاجتماعية. عامل إضافي زاد من القناعة في ضرورة وضع إطار «فضفاض»، وهي العلاقة مع المجتمع المدني، لتغطية أكبر مساحة من الرأي العام، لا سيما وأن جزءاً منه لا يهوى العمل الحزبي، ويفضّل الشأن الاجتماعي. رفيق الحريري بنى «مشروعه» على أساس النواقص في المجتمع، واستعان بطاقات اجتماعية لإعادة إعمار البلد».
ارتخاء العصب السياسي في «زمن السلم» واحد من أسباب إخفاقات «التيار» خلال الانتخابات البلدية، والتي أنتجت تراجعاً في حضور «الجيش الأزرق». ولكن لقراءة القيادة موجبات أخرى. «للانتخابات البلدية خصوصية لا يمكن تجاوزها، خاضها التيار للمرة الأولى بشكل منظّم وعلى هذه المساحة الكبيرة، ومن الطبيعي الوقوع في بعض الخلل. إلا أنها حملت بعض الإيجابيات ايضاً، إذ ساهمت في الإضاءة على الكثير من المعطيات التي استخدمتها اللجنة الخماسية في إعادة الهيكلة، كما ساعدت في اقتناعنا أنه في بعض المواقع لا بدّ من قرارات حاسمة ولا مجال للرمادية. رسمت نظرة مصغّرة عن كلّ المناطق، حددنا بفعلها مجموعة من الأشخاص القادرين على التواصل معهم، الذين قد يكونون كوادر المرحلة المستقبلية، ونواة ماكينة انتخابية دائمة قادرة على مراقبة عمل التنظيم».
لا ينكر الحريري أن الخطاب السياسي كان المحرّك الأبرز في الداخل اللبناني، قبل السابع من حزيران 2009، ولكن «للمرحلة الراهنة مقتضياتها من الخطاب المتوازن، لأن الهدف ليس استقطابيّاً، وإنما هو السعي لتثبيت الاستقرار، وإعادة جدولة الوقت الذي ضاع بفعل الخلافات». يراهن «التيار» اليوم على مراكمة خبرة تنظيمية، في شراكة ما بين القيادة المركزية والمناطق، على أن لا تكون مركزية مطلقة، أو لامركزية حادة.
الحريري يستذكر دوماً تجربته الطويلة في «التيار» انطلاقاً من قطاع الشباب، الذي منحه فرصة التواصل مع مختلف الشرائح الشبابية «الزرقاء»، في كلّ مناطق تواجدها، والوقوف عند أفكارها وملاحظاتها، ما سهّل له الانضمام إلى اللجنة الخماسية، لبلورة صورة موسّعة عن أوضاع «التيار». يتسلّح اليوم بآلية المحاسبة لتجنّب «أسهم» انتقادات «العائلية» التي تتسلل إلى «المستقبل»... آلية يريدها لغيره، كما لنفسه.
نحو خمسمائة «مؤتمر أزرق» سيحضرون المؤتمر التأسيسـي، بالإضافة الى مائة مراقب (أصدقاء ومجتمع مدني)، فيما حاولت القيادة «التعويض» على بقية الوحدات التنظيمية، لا سـيما على مستوى الدوائر، من خلال عقد جلسات نقاش مع أحد أعضاء «اللجنة الخماسية»، لاستعراض النظام الداخلي المطروح، وذلك، بعد اعتراض هذه المجموعات بشـكل صريح، على اسـتبعادها عن المؤتمر العام، علماً بأنه يفترض أن تكون المؤتمرات المناطقية تمهيداً للمؤتمر العام المقبل.
الوعد بالتغيير، هو عنوان المرحلة المقبلة، والذي تمّ تكبير «حجره» بالإعلام، ويفترض أن تكون التعيينات المناطقية الترجمة العملية، لهذا التغيير. حتى الآن، تسود بلبلة في «البركة الزرقاء» بفعل التسريبات التي يتمّ التداول بها حول الأسماء المقترحة للتعيينات، التي تفتقد بنظر البعض إلى معايير واضحة ومحددة ، وإنما تبدو في كثير من الحالات وكأنها بمثابة «جوائز ترضية» يتمّ توزيعها يمنة ويسرة.
وعلى هذا الأساس، هناك من يتخوف، من أن تكون انطلاقة التيار «ثقيلة» نتيجة الاعتراضات التي قد تسجّل على سلّة التعيينات التي سترى النور بعد انتهاء «الاستعراض المسرحي»...
في كل الأحوال، ستكون هناك كلمة لرئيس الحكومة سعد الحريري الذي سيدخل الى «البيال» مراهنا على نجاح تجربة لم يستطع والده أن يؤطرها وان كان قد حاول ذلك أكثر من مرة.. والعبرة ليست في التأطير بل في القدرة على الخروج من حدود العائلة.. الى حدود المؤسسة.
"السفير"