Wednesday, November 13, 2019

الغاية لا تبرر الوسيلة وفساد الكون إعتبار الوسائل غايات

إستهداف الاسلام السياسي مقدمة لإقصاء الشريعة عن مسرح الحياة
من حق الإسلام أن تكون له دولة ومن حق الإسلاميين أن يكون لهم احزاب سياسية

بقلم: فضيلة الشيخ الدكتور هاشم منقارة “رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الإسلامي ، عضو جبهة العمل الإسلامي وإتحاد علماء بلاد الشام”

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56-58].

قال ابن كثير رحمه الله: «ومعنى الآية أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم»، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15].

والعبادة: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة، كالخوف، والخشية، والتوكل، والصلاة، والزكاة، فالصلاة عبادة، والصدقة عبادة، والحج عبادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، وكل ما يقرب إلى الله من قول، أو فعل، فإنه عبادة.

وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25].

قال تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن: 16]. ولا تتحقق الاستقامة في عبادة الله إلا أن يكون العبد سويًّا في نفسه، وأن يكون سيره على الطريق القويم الذي وردت به الشريعة، وهذا هو ميزان المتقين.

الغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب نبيل

من الصعب ان نتصور كيف يمكن أن نصل إلى غاية نبيلة باستخدام وسيلة خسيسة؟ إن الغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب نبيل، فكيف يمكن لذلك القلب أن يطيق استخدام وسيلة خسيسة؟ بل كيف نهتدي إلى استخدام هذه الوسيلة حين نخوض إلى الشط الممرع بركة من الوحل؟ لابد أن نصل إلى شط الملوثين. إن أوحال الطريق ستترك آثارها على أقدامنا وعلى مواضع هذه الأقدام. وكذلك الحال حين نستخدم وسيلة خسيسة. إن الدنس سيعلق بأرواحنا، وسيترك آثاره في هذه الأرواح، وفي الغاية التي وصلنا إليها! إن الوسيلة في حساب الروح جزء من الغاية، ففي عالم الروح لا توجد هذه الفوارق والتقسيمات! الشعور الإنساني وحده إذا أحس غاية نبيلة فلن يطيق استخدام وسيلة خسيسة، بل لن يهتدي إلى استخدامها بطبيعته! “الغاية تبرر الوسيلة”: تلك هي حكمة الغرب الكبرى لأن الغرب يحيا بذهنه. وفي الذهن يمكن أن توجد التقسيمات والفوارق بين الوسائل والغايات”، “ما يخدع الطغاة شيء كما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها، وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطانا، وإنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب، وتمد له أعناقها فيَجُرّ، وتحني لها رؤوسها فيستعلي، وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى! والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة، وخائفة من جهة أخرى. وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم، فالطاغية، وهو فرد، لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها”، “إن إقامة النظام الإسلامي تستدعي جهودًا طويلةً في التربية والإعداد.

الفرق بين الغاية والوسيلة

الآمال أو الطموحات او التوقعات معناها طلب النفس لمستقبل افضل من الواقع ذلك هو الطموح فحين تطلب النفس شيئاً يحدث بعد خيراً مما هو واقع لا بد ان تكون في اطار محدود نسميه الغاية.

والغاية وفهمها واضطراب الناس في معرفة حقيقتها سبب في فساد هذا المجتمع لان الناس تنظر الى الغاية نظرة على انها ابدية، والغاية الحقيقية لكل كائن هي التي لا يوجد بعدها بعد.

فغاية الممتحن في القبول لينجح ويدخل الاعدادية والاعدادي ليس غاية انما سيصبح وسيلة لغاية اخرى، سلسل الغاية الى ان يتخرج ويصير دكتور ، نقول له وماذا بعد تعيش في مستوى عال وتصبح رجل مرموق في المجتمع حسب التقاليد السائدة.

فإن كان مؤمناً بأنه لا حياة له الا هذة الحياة الدنيا تكون هذة غايته ، وان كان مؤمناً بأن هناك حياة اخرى تبقى الغاية لم تتحقق بعد، لان الغاية الاخيرة ليس بعدها بعد تلك هي الغاية وفساد الكون انهم يعتبرون الوسائل غايات .

فالانسان لا يسافر الا بعد غاية مقصودة له وجدت قبل سفره والسفر فقط يحققها ، والغاية دافع للوسيلة والوسيلة سبب لواقع الغاية ، والغاية الحقيقية تصل بكل مراداتها الى الله ولذلك النعيم في الاخرة لا يفوتنا ولا نفوته وغايات الدنيا اما ان تفوتنا او نفوتها.

والغاية هي ما تستوي فيها الحقائق المتعددة والناس افراد متعددون والغاية امر مشترك بينهم ، فليست الغاية الصحة فهناك مريض وليست الغاية الغنى فهناك الفقير وليست الغاية العلم فهناك جاهل ، ولا نرى ذلك الا في الموت واستقبال الآخرة وهذة الطروحات ليست من عمل البشر انما من واهب الحياة للبشر.

لان الذي يحدد غاية كل صنعة صانعها، فصانع التلفاز حدد ووضع غاية له قبل صناعته وبعد ذلك وضع قانون لصيانته،وبعض البشر عاملوا الله بغير هذا فسبحانه خلقهم ويريدون ان يضعوا الغاية بأنفسهم سبحانه خلقهم وهم يريدون ان يضعوا قانون صيانتهم!

لذلك فساد العالم كله انهم يريدون ان يأخذوا الغايات من صانع الصنعة ويأخذوا قانون الصيانة من واهب الحياة ، والغاية التي ما بعدها غاية هي حياة سعيدة والسعادة الحقيقية هو ان لا يحجبك شيئ عن الله سبحانه وتعالى

فالقاعدة التي تقول الغاية تبرر الوسيلة غير صحيحة بإطلاق، بل لا بد لصحتها من قيدين:

القيد الأول: أن تكون الغاية مشروعة لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.

القيد الثاني: أن يكون ضرر الوسيلة المحرمة التي توصل إلى تلك الغاية المشروعة أقل من مصلحة الغاية المتحققة بها لا أكثر ولا مساويا، فإذا تحقق هذان القيدان في هذه القاعدة صارت مساوية لقاعدة: إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما.

أما إذا كانت الغاية والوسيلة متساويتين في المفسدة؛ فهنا تأتي قاعدة أخرى وهي: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. أو قاعدة: الضرر لا يزال بمثله أو بأعظم منه، مثال ذلك حرمة الإقدام على قتل شخص لحفظ النفس؛ لأنه ليست نفسه بأولى من نفس أخيه المسلم، وهذه المسائل دقيقة، والذين يحددونها هم الراسخون في العلم، ولذلك قيل: ليس الفقه معرفة الحلال من الحرام فقط، ولكن الفقه هو معرفة خير الخيرين فيرتكب أعلاهما وشر الشرين فيرتكب أخفهما. .

“المكيافيلية” ونظرية الغاية تبرر الوسيلة

ما آن يذكر إسم ميكافيللي ،، حتى تتداعى مقولته ( نظريته ) المشهورة على الذاكرة وتستحث الخاطر : الغاية تبرر الوسيلة !! .
نظرية تعكز عليها اغلب الساسة المعاصرون ليسخروها لمآربهم الخاصة و ليفسروها حسبما تشتهي أنفسهم .
(نيكولو ميكافيللي )، المولود بمدينة فلورنسا بإيطاليا، اشهر من ان يعرف بعدما قاربت مؤلفاته الآربعين ، ما بين رسالة ومجلد ، اهمها : الأمير ، المطارحات ، تأريخ فلورنسا ، وفن الحرب .
كتابه الاشهر”الأمير” ، كان بوصلة الطغاة وملهم نظام العولمة ، من بينهم دونالد ترامب و( هتلر ) الذي يشاع إن الكتاب وجد على منضدة قرب فراشه ، وجعله( موسيليني ) كتابه المفضل.
. فسرت نظرية : (الغاية تبرر الوسيلة) تفسيرات شتى: كأن أستخدم وسائل دنيئة لبلوغ غايات نبيلة !! كأن اقتل عشرة آنفار لأنقاذ مائة إنسان ، او اسرق الملايين لأوزع الآلاف على المحتاجين .

المكيافيلية (وفقاً لتعريف قاموس أوكسفورد الإنجليزي، هى “توظيف المكر والازدواجية الخداع في الكفاءة السياسية أو في السلوك العام”، و هو أيضاً مصطلح يعبر عن مذهب فكرى سياسى أو فلسفى يمكن تلخيصه في عبارة “الغاية تبرر الوسيلة”
حيث يعتقد أن صاحب الهدف باستطاعته أن يستخدم الوسيلة التي يريدها أيا كانت وكيفما كانت دون قيود أو شروط. فكان هو أول من أسس لقاعدة الغاية تبرر الوسيلة.

واعتبرت هذه القاعدة هي الانطلاقة الأولى التي ينطلق منها كل سياسي ديكتاتوري، حيث يضعها نصب عينه ويتبناها لتبرر له الاستبداد وممارسة الطغيان والفساد الأخلاقي. ويرى مياكافيلي ضرورة استخدام العنف و القوة من قبل القائد السياسي مبررا ذلك بأنه يولد الخوف، و الخوف أساسي من أجل السيطرة على الشعوب -حسب اعتقاده- ومن لم يفعل ذلك لا يعتبره قائدا سياسيا ناجحا.

لكن! أيعقل أن يُترك المرء لاختيار أية وسيلة يريدها دون أن يضع لها معاييرا تحفظ المجتمع من الدمار والقتل والتفكك والفساد، فتصبح الحياة مليئة بالفوضى بعيدة كل البعد عن النظام الذي يحفظ الأمن والأمان، كيف لحياة أن تقوم على قاعدة تسلب الأمن والأمان من الحياة اليومية فتبرر للحاكم قتل شعبه! ومن ثم تبرر للأخ قتل أخيه!

الغاية تبرر الوسيلة.. فلينظر كل واحد منا إلى نفسه، ربما يجد أنه يتبنى هذه القاعدة عمليا في مكمن سره، فلا ينظر إلى الوسائل التي توصله لغاياته من حيث القيم والمبادئ والمشروعية.

السؤال الذي يطرح نفسه، إن كان لتلك القاعدة كل هذه الأضرار فهل نستطيع أن نلغي هذه القاعدة من حياتنا، ونعتبرها قاعدة خاطئة لا تصح بأي شكل من الأشكال؟!

أولا من البديهي أن صاحب الغاية النبيلة يبحث في البداية عن الوسائل السليمة والصحيحة، وصاحب الغاية الذي لا يحمل الخير لشعبه ومجتمعه وبيئته يبحث دون تردد عن أية وسيلة توصله لغايته الخبيثة، ولا يبالي مهما حملت تلك الوسائل من أضرار ومخاطر على المجتمع، وتجدر الإشارة إلى أن كثيرا من الناس لا يفرق بين قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة” وبين القاعدة الشرعية “الضرورات تبيح المحظورات”..

قاعدة الغاية تبرر الوسيلة هي ليست مقيدة بشروط ومعايير وفتحت الباب على مصراعيه وميكافيلي قد فسرها تفسيرا يدل على عدم تقييدها بأية شروط.. أما قاعدة الضرورات تبيح المحظورات فهي حتما مقيدة بشروط ومعايير ولها ضوابط شرعية يصبح حينها المحظور مباحا..

فعند الإكراه يجوز الكفر شرط أن لا يكون الكفر قلبيا، وكالتورية أيضا في بعض الحالات وكالكذب في الإصلاح بين الناس.. وعندما قال النبي صلى الله عليه لنعيم بن مسعود رضي الله عنه: “الحرب خدعة”.. فقد قيدت الخدعة في حالة الحرب فاعتبرت حالة استثنائية لا تصح إلا بموجب الحرب.. فيمكننا أن نعدّل على القاعدة الأولى فنقول: أن الغاية (قد) تبرر الوسيلة إن كانت الغايات نبيلة والوسائل مشروعة.. وأن الوسائل المشروعة يجب أن تكون مقيدة وتسير في فلك الضرورات التي قد تبيح المحظورات..

قصة يوسف عليه السلام مع إخوته :

قال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته :
( فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ * قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ) يوسف/ 70 – 77 .

وليس هذا من يوسف عليه السلام من الكذب أو الخداع المحرم ، ولكنه من الكيد الحسن الذي كاد الله به له ليتم عليه نعمته ، ويجمعه بوالديه وأهله ، وليستقبل إخوته التوبة ، وليظهر لهم خطؤهم فيما صنعوه بأبيهم وأخويهم ، وليتم الله نعمته على أبيهم يعقوب عليه السلام ، ويرد عليه ابنه بعد طول غياب وشدة معاناة ، فكاد الله تعالى لنبيه هذا الكيد الحسن المبارك ، لتحصل هذه النعم للجميع ، وليس هذا من الظلم والعدوان والخداع المحرم ، حاشا وكلا .

وقال ابن كثير رحمه الله :
” (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) وَهَذَا مِنَ الْكَيْدِ الْمَحْبُوبِ الْمُرَادِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمَطْلُوبَةِ ” انتهى من ” تفسير ابن كثير ” (4/ 401) .

والمقصود أن ذلك كله ليس من الكذب في شيء، ولكنه من المعاريض الحسنة التي كان من آثارها : ظهور الحق ، واعتراف المخطئ بخطئه ، وتوبته منه ، والتحلل من المظلوم ، وجمع الشمل ، وتحقيق موعود الله ليعقوب ويوسف عليهما السلام ، ونصرة الله للمظلوم ، وكيده له ، وهذا كله من الفضل العظيم الذي توصلوا إليه عن طريق هذه المعاريض التي ليست بكذب ، وإن كان يظنها من لم يفهم حقيقة الأمر : أنها كذب .

قال الشعراوي:

{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ}
وكان الهدف من البَدْء بتفتيش أوعيتهم؛ وهم عشرة؛ قبل وعاء شقيقه، كي ينفي احتمال ظنِّهم بأنه طلب منهم أن يأتوا بأخيهم معهم ليدبر هو هذا الأمر، وفتش وعاء شقيقه من بعد ذلك؛ ليستخرج منه صُوَاع الملك؛ وليُطبِّق عليه قانون شريعة آل يعقوب؛ فيستبقي شقيقه معه. وهذا دليل على الذكاء الحكيم.
وهكذا جعل الحق سبحانه الكيد مُحْكمًا لصالح يوسف، وهو الحق القائل: {كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76].
أي: كان الكيد لصالحه.

ما تدل عليه قصة يوسف

وفيها تنبيه على أن المؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا قوة .
وفيها تنبيه على أن العلم الخفي الذي يتوصل به إلى المقاصد الحسنة مما يرفع الله به درجات العبد ; لقوله بعد ذلك : نرفع درجات من نشاء قال زيد بن أسلم وغيره : بالعلم , وقد أخبر تعالى عن رفعه درجات أهل العلم في ثلاثة مواضع من كتابه , أحدها : قوله : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه , نرفع درجات من نشاء فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء بعلم الحجة . وقال في قصة يوسف : كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء بالعلم الخفي الذي يتوصل به صاحبه إلى المقاصد المحمودة , وقال : يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات فأخبر أنه يرفع درجات أهل العلم والإيمان ))

مفهوم السياسة وعلاقتها بالأخلاق

لقد سبق وتناولنا موضوع ” التأصيل الشرعي للعمل السياسي” في دراسة مفصلة منشورة على شبكة الانترنت تحت عنوان ” الرؤية الشرعية لمجريات الاحداث السياسية عند الامام البوطي”.لمن اراد التوسع. لا يخفى على أحد أن دخول العلماء في الخط السياسي يتطلب رؤية عميقة لمجريات الأحداث وتحولاتها؛ لأن إصدار الفتاوى مسؤولية ثقيلة، خاصة عند اضطراب الأحوال وتشابكها،.

فالسياسة في الرؤيا الإسلامية هي التدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، ، إذن هذه السياسة في الرؤية الإسلامية مضبوطة بضوابط أخلاقية تحقق القدر الأعلى من صلاح الناس وتبعد الناس بتدابيرها عن الفساد بقدر الإمكان، أما واقع السياسة في عالمنا وخاصة في النظم والحكومات والمتنفذين في هذه النظم والحكومات فنحن نعاني منذ الاحتكاك العنيف الاستعماري الإمبريالي بالحضارة الغربية قبل قرنين من الزمان، نعاني من مفاهيم السياسة الميكيافلية التي فرضت علينا حتى في قواميسنا حتى في كتبنا حتى في التطبيقات التي تقوم بها النظم والحكومات، السياسة التي تطبق الآن في واقعنا من قبل النظم والحكومات هي السياسة الميكيافلية، هي فن الممكن من الواقع يعنى كل ما تستطيع أن تلعب به وأن تحوله إلى مصلحة بالمعنى البراغماتي وبالمعنى النفعي يصنعه هؤلاء باسم السياسة، هي فلسفة القوة وحتى المصالح التي يحققونها أو يتغنون بها هي مصالح مادية أو مصالح نفعية براغماتية وليست المصلحة بالمعنى الإسلامي، المصلحة بالمعنى الإسلامي التي يعد لها اعتبار هي المصلحة الشرعية المعتبرة وليست أي مصلحة، إذن مصطلح السياسة مفهوم السياسة مصطلح المصلحة ومفهوم المصلحة، تغير في واقعنا بفعل الغزو الفكري وبفعل التطبيقات الاستعمارية التي ربت هذه النخب التي تحكم أغلب بلاد العالم العربي والعالم الإسلامي، هذا هو البلاء الذي جاءنا من المفاهيم المادية النفعية البراغماتية الميكيافلية الغربية والذي ساد في مصطلحاتنا في قواميسنا في كتبنا ويعلمه الناس في المدارس والجامعات ويطبق في واقعنا البائس الذي نعيش فيه في كثير من بلاد العروبة والإسلام.

القيم الأخلاقية في الممارسة السياسية

لابد أن يحرص الإسلاميون حرصاً شديداً وكاملاً على ضبط الممارسات السياسية بالقيم الأخلاقية وإلا سقطوا في مستنقع المفاهيم الغربية التي نحاربها ونقف ضدها، إذا كنا نريد نهضةً إسلامية وإذا كنا نقول أن اللحظة التي نعيشها تفتح الباب أمام إصلاحٍ إسلامي يعيد الريادة والقيادة إلى العالم الإسلامي بعد أن اغتصبها الغرب بعد غفوة الشرق، نريد أن نعيد هذا بالضوابط الإسلامية بالأخلاقيات الإسلامية بالقيم الإسلامية، إذا لم نضبط الممارسات السياسية في الأحزاب في الانتخابات في كل هذه الأمور بالضوابط الإسلامية أنا أقول سنقع في مستنقع الأعداء الذي ثرنا عليه وستكون القضية قضية تغيير شكلي وليس تغييراً حقيقياً ولذلك هنا دور العلماء، هنا دور الفكر، هنا دور أهل الحقيقة أن يحاولوا تنبيه كل الإسلاميين المشتغلين بالسياسة كي يضبطوا ممارساتهم الحزبية والسياسية والانتخابية بالضوابط الإسلامية كي لا يكونوا مثل الأعداء الذين ثاروا عليهم والذين أسقطوا نظمهم وحكوماتهم.

فالإسلام هوية الأمة ذاتية الأمة بدونه لا وجود لهذه الأمة ولا قيمة لهذه الأمة، الإسلام مرجعيتنا منطلقنا عندما نقول للناس أننا نريد تحقيق مجتمع إسلامي وسيادة الشريعة الإسلامية وتحقيق التنمية على نمطٍ من العدل الإسلامي، هذا ليس استغلالا وإنما هذا كشفٌ عن طاقات الإسلام في الحضارة، الإسلام عقيدة وشريعة ومدنية وثقافة وحضارة.

قيل للخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تمردت وساءت أخلاقها ولا يقومها إلا السوط. فأجاب: كذبتم، فإنما يقومها العدل والحق

(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

About attawhed

Check Also

تقارير مصورة