مخطّط انقلاب أم ضربة وقائيّة: ماذا يجري في الأردن؟

أشارت الرواية الرسمية الأردنية إلى حدث أمني أسفر عن اعتقالات شخصية من العيار الثقيل محسوبة سابقاً على القصر الملكي الأردني، وحالياً على القصر الملكي السعودي، ولكن ما تصدّر المشهد فرض إقامة جبرية على وليّ العهد السابق الأمير حمزة بن الحسين مع تسريب الأخير، بعد الحادثة، لمقطعَي فيديو بالعربية والإنكليزية ينفي علاقته بأيّ «رواية أو تأليف أو تزوير» كما وصف الأمر.

ليلة من ليالي «الآكشن» عاشها سكان الأردن بعدما سمعوا أخيراً خبراً حصرياً مهماً من وكالة أنبائهم الرسمية «بترا»، يفيد باعتقال شخصية من العيار الثقيل مثل باسم عوض الله، المعروف لدى الأردنيين بالبهلوان.
مقالات مرتبطة

من هو الأمير المُتّهم بالتورّط في انقلاب الأردن؟ الأخبار
باسم عوض الله… «أدسم» معتقلي «انقلاب الأردن» الأخبار
الأمير حمزة يعود إلى «بيت الطاعة» الملكي الأخبار

الرواية الأكثر تفصيلاً كانت بالتزامن مع خبر وكالة «بترا»، ولكن هذه المرة من صحيفة «واشنطن بوست» (التي يرتبط اسم جمال خاشقجي بها)، إذ قالت إن السلطات الأردنية اعتقلت وليّ العهد الأردني السابق حمزة بن الحسين و20 آخرين بتهمة تهديد الاستقرار، ونقلت عن مسؤول استخباري قوله إن الاعتقالات جاءت على خلفية التخطيط لمؤامرة لإطاحة الملك عبد الله الثاني، وإن أحد أفراد العائلة المالكة متورط في المخطط إلى جانب قادة عشائر وضباط أمن.
كما أشارت الصحيفة إلى وضع الأمير حمزة تحت الإقامة الجبرية في قصره في عمّان، واصفة ما حدث نقلاً عن مصادرها في المخابرات والقصر بالمؤامرة المعقّدة والبعيدة المدى، وبتهديد لاستقرار الدولة.
بشكل مباشر جاء بيان من رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي، والذي نفى فيه صحة ما نشر من ادعاءات حول اعتقال الأمير حمزة، لكنه بيّن أنه طلب منه التوقف عن تحركات ونشاطات توظف لاستهداف أمن الأردن واستقراره في إطار تحقيقات شاملة مشتركة قامت بها الأجهزة الأمنية. وأكد اللواء الحنيطي أن كل الإجراءات التي اتخذت تمّت في إطار القانون وبعد تحقيقات حثيثة استدعتها.
بشكل يبدو أنه متعمّد، أقحم موضوع الأمير حمزة وتم ربطه باسم شخصية باسم عوض الله المثيرة للجدل، بل إن عدداً من المواقع الإعلامية المحلية أشارت إلى خبر مفاده أن اعتقال عوض الله جاء على خلفية علاقات لشراء أراض لمصلحة اليهود.
تأخر البيان أتاح للأمير حمزة إرسال تسجيلَي فيديو بالعربية والإنكليزية ليؤكد أنه تلقى زيارة من الحنيطي، الذي حذّره باسمه وباسم مدير الأمن العام وباسم مدير المخابرات من الخروج من بيته والالتقاء والتواصل مع أي شخص، وأنهم سحبوا حرسه وحرس عائلته وقطعوا الإرسال من بيته. كما تم اعتقال مدير مكتبه وقصره وعدد من الحراس والذين وصفهم الأمير بـ«معارفي».
الحنيطي أخبر الأمير أنه يجلس في مجالس فيها كلام مسيء لكلام الحكومة وغيرها، وعندما سأل الأمير إن كان الكلام منه، نفى الحنيطي الأمر. استرسل الأمير في توجيه اتهامات مباشرة للحكم في الأردن بقوله إنه ليس السبب بالخراب والدمار الموجود الآن الذي مسّ الجميع ومسّ المؤسسات، كما أشار إلى محاولة التفريق لـ«شيع» باستخدام القبضة الأمنية والاعتقالات والاتهامات المتكررة والمستمرة بالانتماء إلى طرف وأجندات خارجية. وأضاف إن ما يحدث الآن يدمي القلب من تفكيك المؤسسات وتدمير الكرامة والهيبة، وأصبح الأردن مباعاً ومشترى وفي يد فئة محدودة ومتغولة.
بيان الحكومة وجّه اتهاماً مباشراً للأمير بتعاونه مع جهات خارجية لزعزعة الأمن والاستقرار في المملكة، وأكد أن التحقيقات الأولى تشير إلى تورط دائرة الأمير حمزة في الحدث، كما تؤكد تواصل الأمير بنفسه عبر رسالة صوتية مع باسم عوض الله، وتواصل زوجته مع ضابط أجنبي عرض تأمين طائرة لنقل العائلة إلى الخارج. الجهة الإعلامية التي تحدثت عن تورط عوض الله بتسريب أراضي لليهود، نشرت معلومات إضافية عن الضابط الذي وصفته بأنه من الموساد واسمه روي شابوشينك (Roy Shaposhnik)، لكن الصحافة العبرية قالت إن هذا الشخص هو مجرد صديق للعائلة وهو إسرائيلي مقيم في أوروبا، وتحدث «بشكل شخصي» مع الأمير وزوجته.
قصة الأمير حمزة سرقت الضوء من المعتقل «الأخطر» وهو باسم عوض الله، والذي يحمل اعتقاله تلميحات باتّهام محمد بن سلمان، كون عوض الله من دائرة وليّ العهد السعودي الضيقة، ويظهر معه في كثير من المناسبات. عوض الله ليس غريباً على الأردنيين، فهو يمثّل رمزاً لمرحلة النيوليبرالية في الأردن، وهو مكروه شعبياً بعد دوره في مرحلة الخصخصة والتدهور الاقتصادي في المملكة في الفترة التي عمل فيها مستشاراً اقتصادياً في الديوان الملكي ووزيراً للتخطيط وللمالية، إضافة إلى كونه مدير مكتب الملك ورئيس الديوان الملكي.
هذه المناصب الحساسة منحته سلطة مستمدة من سلطة الملك، وقد هوجم من المحافظين والبيروقراط الأردني بسبب انفتاحه على الغرب ورؤيته للواقع الفلسطيني في الأردن التي لا تنسجم مع حق العودة وتصبّ في سياق التوطين، عدا عن موقفه المبكر من حزب الله وإيران وعلاقاته بالسفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان، في تلك الفترة.
خرج عوض الله من المشهد السياسي الأردني بشكل تام وأوفده الملك عبد الله الثاني إلى السعودية كمبعوث خاص وأعفاه من مهمته في عام 2018 في وقت مقتل جمال خاشقجي. عوض الله رجل أعمال، ولديه أذرعه التجارية وحضوره كرئيس تنفيذي في عدة شركات، منها طموح في الإمارات، كما أنه من ضمن مجلس إدارة مجموعة «دلة البركة» في البحرين والتي تعدّ من بين شركات رجل الأعمال السعودي صالح كامل، الذي احتجزه ابن سلمان في فندق الريتز كارلتون في الحادثة الشهيرة.
تمرير اسم عوض الله بشبهات بيع أراضٍ لليهود عبر مجلس القدس للتطوير والتنمية الاقتصادية الذي يرأسه أحد رموز التطبيع الفلسطيني، سري نسيبة، يخلط الأوراق أكثر، حيث إن نسيبة محسوب على محمد دحلان.
عملياً، لا يوجد انقلاب معنوي أو مادي، فقد حضر اسمه وغاب فعل الجيش، بل استحضرت المؤسسة العسكرية في الأردن منذ فترة في المشهد السياسي، كونها من الجهات التي تحوز الثقة الأكبر لدى الأردنيين، هذا الانخراط العسكري يأتي في فترة هشاشة سياسية في المشهد الداخلي، وتعديلات جذرية في المؤسسات الأمنية وفي دائرة المخابرات، إضافة الى ازدياد الحضور العسكري الأميركي الذي جعل القواعد العسكرية الأردنية الحساسة تحت تصرف القوات الأميركية وفتح أراضي المملكة ومجالها الجوي والبحري لوزارة الدفاع الأميركية وجهاتها التنفيذية كما جاء في اتفاقية التعاون الدفاعي.
أميركياً، أكدت وزارة الخارجية على لسان المتحدث باسم الوزارة، نيد برايس، أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني «شريك رئيسي» للولايات المتحدة وله كامل الدعم. أما الكيان الإسرائيلي فيراقب ما يحدث للأردن. وبحسب الصحافة العبرية، أرسلت عمّان «تطمينات» إلى تل أبيب بأنه تمت السيطرة على الأمر.
أكثر ما يلفت النظر في تداعيات الحدث، هو التضامن السعودي بشكل أساسي مع «شرعية» الملك عبد الله. ويبدو مثيراً للريبة أن عوض الله، مستشار ابن سلمان، وصاحب فكرة خصخصة «أرامكو»، يوصف في «واشنطن بوست» بأنه سعودي لا أردني. لا يمكن قراءة الحدث بعيداً عن نقطتين، الأولى موقف إدارة بايدن من السعودية عموماً، وابن سلمان خصوصاً، وتداعيات سحب بطاريات «باتريوت» من السعودية والتي يمكن نقلها إلى الأردن بحسب الاتفاقية الأخيرة الموقّعة مع الحكومة الأردنية؛ والنقطة الثانية متّصلة بخلاف ابن سلمان وابن زايد على الملفات الإقليمية، والتنافس على فرض القوة ومرور السياسة الإقليمية بين أبو ظبي أو السعودية. وبذلك لا يبدو الأمر أكثر من نقطة إضافية يسجّلها الأردن لمصلحة الإمارات، تبعد عمّان خطوة أخرى عن الرياض، هكذا إذاً يعاد استعمال رجال عبد الله الثاني لتخليصه من مأزقه مع السعودية من جهة، ولإطاحة أي فرصة لمنافسه العائلي في الحكم، الأمير حمزة.
(الأخبار)

About admin

Check Also

الكاظمي يقطع زيارة دياب للعراق: استجابة لضغوط السعودية والحريري

الزيارة، التي كان موعدها مُحدّداً في 17 نيسان، «مِن قِبَل الأشقّاء في العراق. وتولّت مديرية …